فهيم حامد الحامد
محلل استراتيجي
لم تقتصر الإنجازات السعودية على تحقيق اختراقات إيجابية في المسارات السياسية العالمية فحسب، بل واكب هذا التألق السياسي نجاحات نوعية في المسارات الاقتصادية الداخلية والخارجية، مما يؤكد أن السعودية تتحرك ضمن رؤية استراتيجية شاملة تُوازن بين النفوذ السياسي والاستقرار الاقتصادي. فبفضل السياسات المالية الرشيدة، والقدرة المؤسسية على إدارة الموارد بكفاءة، مكّنتها من بناء نموذج اقتصادي قادر على امتصاص الصدمات الخارجية، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة.
تنويع المسارات الاقتصادية
ورغم تصاعد حالة عدم اليقين على الساحة الدولية الاقتصادية، استطاعت السعودية الحفاظ على استقرارها الاقتصادي، والمضي قدمًا في تنفيذ برامج تنويع الاقتصاد التي تشكل جوهر رؤية المملكة 2030. ويُعد هذا التحول غير المسبوق من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد متعدد المصادر شهادة على نضج السياسات الاقتصادية واستشرافها للمستقبل.
تحويل المخاطر لنمو مستدام
ولهذا جاءت إشادة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي مؤخرًا بالأداء القوي للاقتصاد السعودي ليس كموقف بروتوكولي أو بيان عابر، بل بمثابة شهادة دولية من جهة عالمية محايدة تستند إلى معايير صارمة من الشفافية والحوكمة وعدم القبول إطلاقًا بالتدخل في سياساتها النقدية.
وهذا يعد البيان الذي رحب به مجلس الوزراء، لما تضمنه التقرير من تأكيد على متانة الاقتصاد المحلي وقدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، اعترافًا صريحًا بأن السعودية أضحت نموذجًا اقتصاديًا يدمج بين الانضباط المالي، والتحول الرقمي، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية، مما جعلها من الدول القليلة التي تمكّنت من تحويل الأزمات إلى فرص، والمخاطر إلى محفزات للنمو المستدام.
كما تعتبر إشادة صندوق النقد الدولي تتويجًا لنجاحات ممتدة شملت ضبط العجز المالي، وتوسيع القاعدة الاستثمارية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحقيق نمو في القطاعات غير النفطية.
وردفت السعودية نجاحاتها في المسارات الاقتصادية باقتدار وعززت قدرتها على الصمود في مواجهة الصدمات الاقتصادية الخارجية، حيث يؤكد المراقبون أن السياسات السعودية الشفافة والمحوكمة أدت للتحول الاقتصادي وتنويع المسارات الاستثمارية، ما انعكس إيجابيًا على مجمل أداء الاقتصاد، خاصة على المدى المتوسط وبالمؤشرات الإيجابية المتعلقة بمعدلات التضخم والبطالة.
تقرير شفاف محوكم
لقد حمل تقرير صندوق النقد عن السعودية رسائل اقتصادية إيجابية متنوعة للاقتصاد المحلي وللمناخ الاستثماري العالمي، خصوصًا أن التقرير يعتبر من أهم التقارير التي يُستند إليها في عالم الاقتصاد وله تأثير مباشر على وكالات التصنيف الائتماني.
قدرة على التكيّف مع التحديات
لقد نجحت السعودية في مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تمر بها المنطقة والعالم، وأثبت الاقتصاد السعودي قدرته على التكيف مع التحديات الاقتصادية العالمية، ما انعكس على نمو الأنشطة غير النفطية، وانخفاض البطالة، واستقرار مستوى الدين العام.
وجاءت هذه الاختراقات الاقتصادية بفضل الإصلاحات الهيكلية الاقتصادية ورؤية 2030 التي كانت الرافعة الأساسية للوصول إلى هذا الإنجاز من خلال الحفاظ على النمو في القطاع غير النفطي، والدفع نحو تحقيق تنويع اقتصادي شامل، بصرف النظر عن تطورات أسعار النفط.
زيادة الإيرادات غير النفطية
وهذا ما تحقق على أرض الواقع عندما أعلنت وزارة المالية قبل عدة أيام عن تقرير أداء الميزانية العامة للدولة للربع الثاني من عام 2025، حيث بلغت الإيرادات النفطية 151 مليار ريال، وهو ما يمثل 50% من الإجمالي، بينما سجلت الإيرادات غير النفطية 149 مليار ريال، لتشكل 49.7% من إجمالي الإيرادات.
وهذا يعني أن سياسة عدم الاعتماد على النفط، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ذات مساء عام 2016 عبر رؤية السعودية 2030، والهادفة لتحرير الاقتصاد من الاعتماد على الصادرات النفطية، قد تحققت بنسبة 50% خلال 7 سنوات، وهو ما يُعد بلغة الاقتصاد معجزة تحققت بالأرقام والإحصائيات على أرض الواقع.
ومن المؤكد أن تعزيز البيئة التنظيمية وبيئة الأعمال، ومشاركة المرأة في سوق العمل، وتطوير رأس المال البشري، ومواصلة الجهود لجذب استثمارات القطاع الخاص، والمضي قُدمًا في تنويع النشاط الاقتصادي، سيحقق المزيد من الاختراقات الإيجابية، ويساهم حتمًا في معالجة التحديات الاقتصادية العالمية.
نجاح مستهدفات رؤية 2030
ومن الأهمية بمكان التأكيد أن تقييم صندوق النقد الدولي يعكس نجاح السياسات الاقتصادية السعودية في استمرار تنفيذ مستهدفات «رؤية 2030»، وتحقيق توازن بين الاستقرار المالي والتحول الهيكلي، وتحقيق أهدافها التنموية طويلة المدى.
وكان المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي قد أصدر مؤخرًا تقريرًا أكد فيه أن الاقتصاد السعودي يواصل إظهار مرونة ملحوظة، مدعومًا بنمو الأنشطة غير النفطية، واحتواء التضخم، بالإضافة إلى انخفاض معدلات البطالة إلى مستويات قياسية وصلت إلى 7% في الربع الرابع من عام 2024، متجاوزةً مستهدف «رؤية 2030» في وقت مبكر والذي تم تحديثه ليصبح 5% بحلول عام 2030.
وخفضت المملكة إنفاقها هذا العام بقدر يتواءم مع المتطلبات، وبسبب سياساتها الاقتصادية الحكيمة قد لا تحتاج إلى إجراء المزيد من التعديلات المالية حتى في حال ضعف أسعار النفط الخام.
تعضيد التنمية المستدامة
إن ما تحققه السعودية هو أكثر من مجرد أرقام إيجابية في مؤشرات الاقتصاد؛ إنه إعادة صياغة لدورها الإقليمي والدولي كقوة صاعدة تُراهن على التوازن بين التنمية المستدامة والحضور الجيوسياسي والاقتصادي الفاعل، في عالم يتطلب من الدول أن تكون مرنة، ومبادرة، وصاحبة رؤية.
صياغة مستقبل الطاقة
الأمر الذي سيفتح آفاقًا أوسع أمام الشراكات العابرة للقارات، ويعزز من الدور السعودي في صياغة مستقبل الطاقة، والتقنية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، بل وحتى الأمن الغذائي والتغير المناخي.
ومع كل تحدٍ جديد، تثبت السعودية أنها الرؤية والحنكة والحكم الرشيد، وقادرة على صياغة المعادلات وليس مجرد التكيف معها. ولم تعد تُقاس فقط بثقلها النفطي أو الجغرافي، بل بات يُنظر إليها اليوم كدولة ذات تأثير متنامٍ على خارطة القرارين السياسي والاقتصادي العالمي، بأدواتها التي تمكّنها من التحوّل إلى لاعب محوري قادر على صناعة القرار الاقتصادي العالمي، مستندةً إلى عضويتها في مجموعة قمة العشرين.
اضطرابات وتحديات متصاعدة
ففي الوقت الذي تواجه فيه اقتصادات دول كبرى اضطرابات هيكلية وتحديات متصاعدة، تمكّنت السعودية من الحفاظ على زخم نموها، وتوجيه مسارات التحول الوطني بما يخدم استقرارها الداخلي، ويُعزّز من جاذبيتها الاستثمارية الخارجية.
ويُعد هذا التوازن بين الداخل والخارج، بين السياسة والاقتصاد، وبين الطموح والواقعية، جزءًا من عمق التفكير الاستراتيجي الذي يقود المرحلة.
إن السعودية اليوم لا تُبهر فقط بأرقامها وإحصائياتها الاقتصادية أو بثقلها النفطي أو الجغرافي، بل بإرادتها السياسية، وكفاءة مؤسساتها الاستثمارية، ومرونتها في الرؤية، وتماسكها الاجتماعي، لتؤكد للعالم أن التحول ليس شعارًا، بل مسارٌ مدروس يصنع الفارق في عالم مضطرب.

