عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في بيئة العمل الحديثة، أصبح التغيير سمة أساسية تفرضها ديناميكية السوق وتطور متطلبات المنظمات، ولم يعد الموظف مرتبطًا بمهمة واحدة أو قسم محدد لسنوات طويلة كما كان في الماضي، بل برز مفهوم “تدوير المهام” كأحد الأساليب الإدارية التي تهدف إلى تطوير القدرات، وتنويع الخبرات، وكسر الروتين. غير أن هذا المفهوم يثير جدلًا مشروعًا: فهل هو وسيلة فعّالة لتجديد الطاقة وتحفيز الإبداع، أم أنه قد يتحول إلى مصدر لتشتت الانتباه وإضعاف الأداء إذا أسيء تطبيقه؟
تدوير المهام يمكن النظر إليه كجرعة تنشيطية للعقل والمهارات، تمنح الموظف زوايا جديدة للرؤية وتضعه أمام تحديات غير مألوفة تدفعه إلى الابتكار والتعلم. وعندما يتم وفق خطة واضحة ومدروسة، فهو ينعش بيئة العمل ويخلق نوعًا من المرونة التنظيمية التي تجعل الفرق أكثر قدرة على مواجهة التحديات. لكن الصورة لا تكتمل إلا بالاعتراف بأن التدوير إذا جاء بلا هدف محدد، أو في توقيت غير مناسب، أو دون توفير تدريب وتأهيل كافٍ، فإنه قد يتحول إلى عبء على الموظف والمنظمة معًا، تمامًا كما أن تغيير مسار الرحلة بلا خريطة قد يؤدي إلى ضياع الوجهة بدل الوصول إليها. وفي بعض الحالات، قد لا يكون الهدف من التدوير مصلحة العمل بقدر ما يكون قرارًا شخصيًا من المدير بدافع الرغبة في التغيير أو لأسباب خاصة، وهو ما يجعل الأثر سلبيًا على الموظف وعلى بيئة العمل ككل.
في جوهره، يقوم تدوير المهام على نقل الموظف بين أدوار أو أقسام أو مسؤوليات مختلفة داخل الجهة الواحدة، بهدف توسعة معارفه وتعزيز فهمه الشامل لطبيعة العمل. هذه التجربة تمنح الموظف مرونة أكبر، وتزيد من قدرته على حل المشكلات من زوايا متعددة، وتفتح أمامه فرصًا أوسع للنمو المهني والترقي، فضلًا عن مساهمتها في بناء شبكة علاقات أوسع داخل المنظمة. ولعل أحد أهم أسرار نجاح القادة هو مرورهم بمحطات متنوعة في مسيرتهم، مكنتهم من الإلمام بجوانب العمل المختلفة وصنع قرارات أكثر وعيًا وشمولية.
ورغم ذلك، هناك مواقف يكون من الحكمة فيها رفض التدوير أو تأجيله، خاصة إذا تم النقل في وسط مشروع حساس يعتمد على خبرة الموظف الحالية، أو إذا كان الانتقال لمجال بعيد تمامًا عن تخصصه دون إعداد مسبق، أو عندما يفتقر القرار إلى أهداف واضحة يمكن قياسها. في مثل هذه الحالات، يصبح الحوار مع الإدارة أداة ضرورية لضمان أن أي انتقال يخدم مصلحة الطرفين، ويحافظ على جودة الإنجاز واستقرار الأداء.
ولكي يكون التدوير خطوة ناجحة، لا بد من مراعاة مجموعة من المعايير الأساسية، تبدأ بتقييم مدى توافق مهارات الموظف مع الدور الجديد، مرورًا بتحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس، ووصولًا إلى اختيار التوقيت المناسب الذي لا يضر بسير العمل، مع توفير التدريب والدعم المطلوبين قبل التنفيذ، وأخيرًا قياس الأثر بعد فترة للتأكد من أن التغيير حقق النتائج المرجوة.
في النهاية، يمكن القول إن تدوير المهام ليس مجرد حركة على لوحة الشطرنج الإدارية، بل هو أداة استراتيجية قادرة على صناعة فرق بين بيئة عمل راكدة وأخرى نابضة بالحيوية. نجاحه يتطلب رؤية واضحة، وتخطيطًا محكمًا، وتوازنًا دقيقًا بين مصلحة الفرد واحتياجات الفريق، مع ضمان أن القرارات تصدر دومًا من منطلق المصلحة العامة لا من الرغبات الشخصية، بحيث يتحول من إجراء إداري روتيني إلى جسر يعبر بالموظفين نحو آفاق أوسع من التطوير والإبداع.

