عندما شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في أواخر شباط/فبراير 2022، بدا الصراع مثل حروب القرن العشرين حيث سيطرت الدبابات وناقلات الجند المدرعة والمدفعية على ساحة المعركة. وتوغلت قوات المشاة من كلا الجانبين في الخنادق.
لكن مع استمرار الصراع لنحو 36 شهرا حتى الآن تحول هذا الصراع إلى نوع جديد من الحروب بحسب تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز طتبع كل من إيريك شميدت مهندس الكمبيوتر والرئيس التنفيذي السابق لشركة التكنولوجيا العملاقة جوجل وجريج جرانت الباحث الزميل المساعد في برنامج الدفاع بمركز الأمن الأمريكي الجديد، والمساعد الخاص سابقًا لنائب وزير الدفاع الأمريكي بوب وورك.
وفي صيف عام ٢٠٢٣، أخبر قائد وحدة الطائرات المسيرة التابعة للواء الهجومي الثالث الأوكراني كل من شميدت وجرانت أن سلاحًا جديدًا قد بدأ يُغيّر مجرى الصراع وهو “الطائرة المسيرة برؤية الشخص الأول” التي تعرف اختصارا بالأحرف ” إف.بي.في”.
وهذه الطائرات الرباعية المروحيات الصغيرة، الرخيصة، والقادرة على المناورة، تنقل لقطات فورية لمشغليها، وتنقض على أهدافها بأسلوب انتحاري. في ذلك العام، غمرت أوكرانيا الميدان بآلاف منها، وسرعان ما حذت روسيا حذوها. واليوم، تملأ مئات الآلاف من هذه الطائرات المسيرة سماء أوكرانيا.
وبمرور الوقت تحولت ما بدأت كحرب بمشاركة الطائرات المسيّرة إلى حرب طائرات مسيرة. ففي الواقع، قبل عامين، كانت قوة أي وحدة عسكرية أوكرانية تقاس في الغالب بترسانته من الدبابات وناقلات الجنود المدرعة والمدفعية التي يوفرها الغرب.
لكن منذ عام ٢٠٢٣، أصبحت الطائرات المسيّرة السلاح الأهم في ساحة المعركة. بفضل تكلفتها المنخفضة وسرعتها ودقتها، وحلّت الطائرات المسيّرة محلّ الأسلحة التقليدية، بما في ذلك الصواريخ المضادة للدبابات ومدافع الهاون والدبابات، وحتى المدفعية والطائرات. أما اليوم، فتحدد قوة الوحدة ومرونتها بعدد مشغلي الطائرات المسيّرة الماهرة لديها وقدرتها على نشرها على نطاق واسع.
وبحسب شميدت وجران فإن هذا يمثل تحولا جذريا في مسار الحرب، قادته أوكرانيا لتعويض نقص الأسلحة التقليدية والقوى العاملة لديها. ففي أول حرب طائرات بدون طيار في العالم، تُحدد هذه الطائرات كيفية حسم المعارك وكيفية قتل الجنود: فقد أصبحت الطائرات الأوكرانية بدون طيار مسؤولة عن 90% من خسائر روسيا من الدبابات والمركبات المدرعة الروسية المدمرة و80% من الخسائر الروسية في الأرواح. كما أتاحت لكلا الجانبين شن هجمات تتجاوز خطوط المواجهة بكثير دون الحاجة إلى تحقيق تفوق جوي في ساحة المعركة.
على سبيل المثال، ضربت أوكرانيا قواعد جوية روسية على بُعد 5000 ميل من كييف في يونيو عن طريق تهريب طائرات بدون طيار عبر الحدود وإطلاقها من على متن شاحنات في العملية العسكرية التي حملت اسم “عملية العنكبوت”.
أما روسيا التي تأخرت نسبيا في الاعتماد على الطائرات المسيرة بأعداد كبيرة، فقد زادت بشكل كبير إنتاجها من الطائرات المسيرة من نوع إف.بي.في، بالإضافة إلى تلك المستخدمة في القصف الاستراتيجي، مثل طائرة “شاهد” الإيرانية التصميم. واليوم، لحقت موسكو يكييف في معدل تكيفها التكنولوجي الاستثنائي. فقد طورت نماذج بنفس الكفاءة، مثل طائرة “أورلان” المستخدمة للمراقبة، وطائرة “لانسيت” التي تحوم فوق الهدف قبل أن تنفجر فيه عند الاصطدام به.
ولأن روسيا وأوكرانيا تطوران باستمرار الأجهزة والبرمجيات والتكتيكات، فإن الحرب تتغير بمعدل مذهل. على سبيل المثال، أدى انتشار المراقبة بالطائرات المسيرة إلى جعل جميع تحركات القوات تقريبًا مرئية، وبالتالي عُرضة للخطر، مما خلق ساحة معركة شفافة: أي شيء يتحرك بالقرب من خط المواجهة يُضرب في غضون دقائق.
أصبح مشغلو الطائرات المسيرة أهدافًا رئيسية، ومع تقادم العديد من الأسلحة التقليدية، أصبحت الطائرات المسيرة تُقاتل طائرات أخرى بشكل متزايد. في خضم هذه الدورة من الابتكار، يتجه الجانبان ببطء نحو آفاق جديدة حرب آلية بالكامل يختفي منها الجندي الذي يقود معدته العسكرية سواء كانت دبابة أو مدفع أو طائرة مقاتلة.
ومع انتشار طائرات المراقبة والاستطلاع المسيرة في كل مكان لم تعد القوات الروسية والأوكرانية قادرة على التحرك بسهولة في وضح النهار. خلال زيارة حديثة لأوكرانيا شهد إيريك شميدت وجريج جرانت حركة شاحنة روسية واحدة، على بُعد خمسة أميال من خط المواجهة، مما أثار استياءً بين مشغلي الطائرات المسيرة، الذين قاموا بتدميرها. ولتجنب اكتشافها، عادةً ما تتم الحركة بالقرب من خط المواجهة أثناء شروق الشمس وغروبها، حيث لا تعمل كاميرات الفيديو النهارية ولا كاميرات الرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء بالشكل الصحيح.
ويعد التنافس على التفوق المعلوماتي أمرًا بالغ الأهمية في الحروب، ولكنه أكثر أهمية في هذه الحرب، إذ يعني القدرة على تشكيل شبكات استشعار مرنة قائمة على الطائرات المسيرة والحفاظ عليها في ساحة المعركة. إذا أصبحت أي واحدة من هذه الشبكات غير قادرة على تشغيل طائرات استطلاع مسيّرة فوقها – فإنها تُصبح عُرضة للخطر بشكل كبير.
لهذا السبب، يعمل حوالي 3000 جندي أوكراني على مدار الساعة لتشغيل طائرات استطلاع مسيّرة، معظمها طائرات من طراز دي.جيه.آي مافيك صينية الصنع، على طول خط المواجهة الذي يمتد 750 ميلًا. تعرض مراكز قيادة الألوية الأوكرانية ما يصل إلى 60 بثًا من هذه الطائرات المسيّرة على مدار الساعة.
ولأن الطائرات بدون طيار أصبحت مهمة للغاية لجميع عمليات ساحة المعركة تقريبًا، فقد أصبح تدميرها أمرًا بالغ الأهميةـ وأصبحت معارك الطائرات بدون طيار جزءًا أساسيًا من الحرب.
في العام الماضي، كان هناك ما يقدر بنحو 1200 طائرة استطلاع روسية تعمل خلف الخطوط الأوكرانية في يوم معين، لذلك قامت أوكرانيا ببناء أول نظام دفاع جوي قائم على الطائرات بدون طيار لصدّها. بدأت قواتها باستخدام طائرات بدون طيار من نوع “إف.بي.في ” لمطاردة طائرات استطلاع أكبر وأبطأ وأكثر تكلفة بكثير. وتحلق طائرات المراقبة الروسية الآن على ارتفاعات أعلى لتجنب الاعتراض الأوكراني.
ومع ذلك، فإن ما يقرب من 80 في المائة من جميع طائرات المراقبة بدون طيار التي تعبر خط المواجهة، سواء كانت روسية أو أوكرانية، يتم إسقاطها إما بواسطة الدفاعات الجوية الاعتراضية أو الدفاعات الجوية التقليدية.
بسبب هذه التغييرات، قللت روسيا بشكل كبير من استخدام طائرات لانسيت بدون طيار. بدلاً من ذلك، طورت طائرات استطلاع بدون طيار أصغر وأسرع ومموهة، وبعضها مزود بكاميرات خلفية، مما يسمح للمشغلين برصد الطائرات بدون طيار الملاحقة والهرب منها.
إن سرعة التكيف التكنولوجي والتكرار – أو قوة الابتكار – مقياس جديد للقوة القتالية. يكمن مفتاح التكيف في حلقة التغذية الراجعة السريعة من المشغل إلى المهندس. لذا، فإن أفضل طياري الطائرات المسيرة الأوكرانيين هم تكتيكيون وفنيون، قادرون على إجراء التعديلات والتحسينات فورًا.
وبالتالي، فإن أهم تقدم في تطوير الطائرات المسيرة يحدث في الجبهة. ويتلقى المشغلون الدعم من مختبرات البحث والتطوير ومرافق التصنيع والإصلاح الواقعة بالقرب من خطوط المواجهة. وتقوم فرق الطائرات المسيرة باختبار ونشر أجهزة راديو وهوائيات ولوحات دوائر جديدة باستمرار؛ ويتم إصدار تحديثات البرامج بشكل شبه يومي.
ويتطلب إنشاء سلاح فعال الآن التكيف والتكرار ضد خصم لا يقل قدرة على التكيف، مما يؤدي إلى منافسة شديدة الديناميكية بين الفعل ورد الفعل.
بمجرد إدخال سلاح أو تقنية جديدة إلى ساحة المعركة، تكون فائدتها محدودة قبل أن يُطوّر الخصم إجراءات مضادة. تظهر أنواع جديدة من الطائرات المسيرة بوتيرة سريعة: قبل عامين، كانت طائرة لانسيت الروسية النموذج الأكثر تهديدًا. في العام الماضي، كانت الطائرة المسيرة من منظور الشخص الأول. الآن، تسيطر الطائرات المسيرة الهجومية، التي تُدار عبر كابلات الألياف الضوئية، والتي استخدمها الروس لأول مرة، على خطوط المواجهة.
بخلاف الطائرات بدون طيار التي تعمل بترددات الراديو القياسية، تنقل هذه الطائرات الرباعية المراوح ما يصل إلى 25 ميلاً من كابلات الألياف الضوئية، مما يجعلها متصلةً بمشغلها.
ورغم بطء هذه الطائرات وقصر طول سلكها، إلا أنها مقاومة للتشويش، وتنقل صوراً واضحة، ويمكنها العمل خارج نطاق الرؤية اللاسلكية، مما يجعلها مناسبة تماماً للتضاريس الجبلية والحضرية. ولأنها لا تُصدر إشارات لاسلكية، فلا يمكن تحديد موقع طيارها إلكترونياً، وتضرب بدقة مذهلة.
لا يقتصر ابتكار الطائرات المسيرة على تحسينها فحسب، بل يشمل أيضًا خفض تكلفتها. على مدار العام الماضي، استبدلت وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية والروسية بالقليل منها باهظ الثمن الكثير منها غير مكلف. وتُهمّش الطائرات المسيرة باهظة الثمن، بما في ذلك لانسيت الروسية وسويتش بليد 600 الأمريكية، والتي يتراوح سعر كل منهما بين 65 ألف و150 ألف دولار، لصالح الطائرات المسيرة الهجومية ثابتة الجناح، مثل مولنيا الروسية ودارت الأوكرانية، وكلاهما يقل سعرهما عن 3 آلاف دولار. ولأن طائرات مولنيا الانتحارية رخيصة الثمن، تستخدمها روسيا كسلاح هجومي شامل، حيث تطلق أحيانًا 15 طائرة على هدف واحد.
إن تشغيل الطائرات المسيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يحل مجموعة متنوعة من المشاكل التي تواجه المقاتلين المعاصرين. فبسبب أخطا المشغلين تفقد روسيا وأوكرانيا عددا كبيرا من الطائرات المسيرة. كما أن ساحة المعركة الأوكرانية مكتظة بأنظمة تشويش وتزييف الإشارات عبر الطيف الكهرومغناطيسي، مما يجعل من الصعب الاعتماد على أي تقنية تتطلب اتصالاً لاسلكياً مستمراً بمشغل بشري. ويشغل آلاف الجنود الأوكرانيين طائرات مافيك على مدار اليومن وهي وظيفة يمكن القيام بها آليا دون الحاجة إلى تدخل بشري. كما إن جمع بيانات المراقبة ومعالجتها آليا من شأنه أن يوفر مئات ساعات العمل أسبوعياً. في الوقت نفسه فإن الأنظمة الحالية لتشغيل الطائرات المسيرة العمل تحتم وجود المشغلين بالقرب من خط المواجهة، مما يعرضهم للخطر.
في المقابل فإن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعزز قدرة التحكم البشري في ساحة المعركة. فهي تُقلل الأخطاء من خلال مساعدة مشغلي الطائرات المسيرة على اكتشاف الأهداف وتتبعها والاقتراب منها وضربها.
كما يتم تدريب أنظمة الاستهداف المزودة بالذكاء الاصطناعي ليلاً على لقطات قتالية للتكيف مع الإجراءات المضادة الروسية، مثل التمويه أو التضليل.
وتطور شركات أوكرانية وغربية برامج ذكاء اصطناعي تقدم دعما أكبر لمشغلي الطائرات المُسيّرة، من خلال اختيار المسارات، وتثبيت الرحلات، والتوجيه نحو نقاط الاتجاه، والتعرف على الأهداف، والتوجيه نحو الوجهة المستهدفة. وإذا نجحت هذه الجهود ستقل الحاجة إلى مشغلي طائرات مُسيّرة ذوي كفاءة وخبرة عالية.
وأصبحت شركات السلاح تحرص بشكل خاص على تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تسهّل تنفيذ المرحلة الأخيرة من الهجوم. وتمثل ساحة المعركة الأوكرانية تحديا لأنظمة التعلم الآلي، لأن دبابات العدو وقطع مدفعيته تغير مظهرها باستمرار مع إضافة الدروع والتمويه.
كما أن أداء الخوارزميات ضعيف في تحديد مواقع المشاة المتناثرة، لا سيما في الغابات الكثيفة أو غيرها من التضاريس المعقدة. ومع ذلك أثبت تحديد الأهداف والتوجيه النهائي بمساعدة الذكاء الاصطناعي فعاليته حتى في مواجهة تشويش إشارات الراديو.
على الرغم من أن مستقبل الطائرات بدون طيار ذاتية التشغيل بالكامل غير واضح، فإن وجود منظومات متكاملة أكثر استقلالية من الطائرات بدون طيار تجمع بين طائرات الاستطلاع والطائرات الهجومية لتحديد الأهداف المتحركة وتتبعها وضربها – من شأنه أن يُحسّن بشكل كبير قدرة أوكرانيا على التصدي للهجمات الروسية.
وتتسابق شركات الصناعات العسكرية أيضًا لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تنسيق الهجمات بواسطة طائرات بدون طيار متعددة في سرب مزودة بمنظومة قيادة ذاتية للطائرات بدون طيار، لتصبح درة تاج عمليات الطائرات بدون طيار.
اليوم، يمكن للقوات الأوكرانية تشكيل دوامة من الطائرات بدون طيار فوق هدف محدد لضربه بشكل متكرر، ولكن القيام بذلك يحتاج إلى عدد كبير من مشغلي الطائرات المسيرة. وباستخدام سرب آلي للطائرات بدون طيار، يمكن لمشغل واحد توجيه العديد من الطائرات بدون طيار، التي تحلق في مسارات مستقلة، لتجاوز الدفاعات وإغراق الهدف. ولتحقيق مثل هذا الإنجاز، ستحتاج شركات الدفاع إلى تطوير أنظمة تعمل بالذكاء الاصطناعي تمكن الطائرات بدون طيار من التواصل تلقائيًا – ليس فقط مع بعضها البعض ولكن أيضًا مع مجموعة من أجهزة الاستشعار. هذه الشبكات موجودة، ولكن ليس بالحجم المطلوب.
أخيرا يرى شميدت وجرانت أن الطائرات المسيرة قلبت أساليب الحرب القديمة رأسًا على عقب. ولن تبقى العقيدة العسكرية والتكتيكات والتنظيم كما كانت أبدًا. ستحتاج الجيوش في كل مكان إلى تجديد عقيدتها وتدريبها بالكامل لتعكس واقع القتال في ساحة معركة تجتاحها الطائرات المسيرة. وأفضل طريقة للاستعداد لمستقبل القتال هي التحدث إلى أولئك الذين يخوضون هذه الحرب على الأرض.

