بندر بن عبدالله
هذا موضوع مهم للغاية، وقد قيل فيه الكثير من الأقوال التي أراها باطلة من وجوه متعددة، وسأعرض هنا ما يتبين بالعقل والنقل، مع محاولة كشف الحقيقة من خلال النص القرآني والتاريخ الموثوق.
قداسة القرآن ونزوله
أول ما يجب أن نسأل أنفسنا: هل القرآن مقدّس عند المسلمين؟ الجواب نعم، لأنه منزل من عند الله تعالى على نبينا محمد ﷺ. وهنا يثور سؤال جوهري: هل يحتاج رب العزة أن يُكمل الإنسان هذا التنزيل بالتنقيط والتشكيل ليفهمه الآخرون؟! إن قبول تدخل البشر في أصل النص يُشبه ما حدث في كتب سابقة، حيث زيد عليها وحُرفت، وهذا لا يليق بكتاب أنزله الله وأكمل به الدين. قال تعالى ﴿…..اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا…..﴾ [المائدة: ٣]. فهل بعد الإكمال والإتمام يقال إن البشر تدخّلوا في تنقيطه وتشكيله؟
اختلافات الرسم في بعض المواضع
تأمل مثلًا كتابة اسم إبراهيم، فنجدها في بعض المواضع بغير ياء (إبراهـم) وفي أخرى بالياء (إبراهيم). وكذلك مسألة الألف الخنجرية أو الهمزات أو التاء المفتوحة والمربوطة. هذه ليست عبثًا بشريًا، بل من أصل الرسم العثماني الذي تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، وكلها وجوه مقصودة في الكتابة، تؤدي معاني دقيقة في التدبر.
القرآن ورسمه مع اللغة العربية
قد يظن البعض أن القرآن خضع لقواعد اللغة، والحقيقة أن القرآن هو الذي يوجّه اللغة ويقوّمها. مثلاً قوله تعالى على لسان يوسف ﴿…..إِنّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ رَأَيتُهُم لي ساجِدينَ﴾ [يوسف: ٤]. جاء بـ(ساجدين) بصيغة جمع العقلاء مع أن المذكور كواكب وشمس وقمر، ليؤكد أن لهذه المخلوقات إدراكًا وطاعة. وهذا خروج مقصود يعلّمنا أن القرآن ليس أسير النحو البشري، بل هو المهيمن عليه.
من كتب وجمع القرآن؟
السؤال الحاسم: من كتب القرآن وجمعه؟ هل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه كما شاع؟ الواقع أن الجمع والقراءة والترتيب كله وحي من الله، قال تعالى ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. فالرسول ﷺ هو الذي أشرف بنفسه على كتابة الوحي، ورتب السور والآيات، وسمّاها بأسمائها. أما دور عثمان رضي الله عنه فكان توحيد المصاحف وحرق ما كتب على الرقاع بغير ضبط نبوي، لئلا يختلط على الناس.
دور النبي في القراءة والكتابة
لقد كان رسول الله ﷺ قارئًا كاتبًا، يشرف على كتابة القرآن بنفسه، وإلا كيف يُؤمر: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]؟ كيف يعجل بقراءة ما لم يره مكتوبًا؟ إن الوحي كان صوتًا وصورة، والرسول يقرأ ويكتب كما يشهد العقل والنقل.
ثم إن قريش، وهم أعرف الناس بالنبي ﷺ منذ صغره، لم يتهموه قط بالجهل بالكتابة، بل قالوا شاعر، كاهن، ساحر، مسحور، أما أن يصفوه بـ”الأمي” بمعنى الجهل بالكتابة فلم يعرف عنهم ذلك.
شهادة الواقع والتاريخ
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها سلّمت تجارتها للنبي ﷺ قبل أن تتزوجه، فهل كانت لتأتمن رجلاً لا يقرأ الحساب ولا يكتب الصفقات؟ هذا غير معقول. ولتقريب الصورة: إننا نصف الدولار واليورو اليوم بـ”العملة الصعبة”، وقد تُرجمت خطأ عن (Hard Currency) التي معناها الأدق “العملة الصلبة” أي المتينة في قوتها. فكيف تكون صعبة وهي تُصرف في كل مكان؟ بل هي قوية ثابتة القيمة. فكذلك اعتماد خديجة على النبي ﷺ لم يكن عن جهل، بل عن ثقة بعلمه وإتقانه وإدارته.
الآيات الحاسمة في الحفظ
قال الله تعالى ﴿إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾ [الحجر: ٩]. هذه آية جامعة تؤكد أن الحفظ ضمانة ربانية، لا مجال فيها ليد البشر. وما يقال عن نقط أو شكل أو قراءات سبع أو عشر، إنما هو انشغال بظواهر لم يُلزم الله بها، وإنما ألزمنا بتدبر القرآن ﴿كِتابٌ أَنزَلنَاهُ إِلَيكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّروا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلبابِ﴾ [ص: ٢٩].
التفسير والتأويل
التفسير البشري يظل اجتهادًا محدودًا، أما التأويل الحق فعند الله وحده. قال تعالى ﴿…..وَما يَعلَمُ تَأويلَهُ إِلّا اللهُ وَالرّاسِخونَ فِي العِلمِ يَقولونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُو الأَلبابِ﴾ [آل عمران: ٧]. فلا مدخل لأهواء البشر في تبديل أو تحريف أو إبطال.
الخاتمة
إذن يتضح أن القول بأن البشر جمعوا أو نقطوا أو شكلوا القرآن قول باطل، لأن الله أكمل الدين وأتم النعمة، والنبي ﷺ أشرف على كتابة القرآن وتلاوته وترتيبه. أما الصحابة والخلفاء، فكان دورهم الحفاظ على هذا النص كما تلقوه، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه. فالقرآن كتاب محفوظ بحفظ الله، معجز ببيانه، خالد في معناه، باقٍ إلى يوم القيامة.
المراجع
- السيرة النبوية – ابن هشام
- الجامع لأحكام القرآن – القرطبي
- تاريخ الرسل والملوك – الطبري
- لسان العرب – ابن منظور
- دلائل الإعجاز – عبد القاهر الجرجاني

