كتب: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
الكون أضحى مقسّمًا بين عالم مُتخَم ومُنعَّم، ومُكرَّم، وشعب فلسطيني جائع يأكل الشجر والحجر ويصطلي بالقنابل والصواريخ والغدر. إلى أين وصلت ازدواجية المعايير الغربية؟ وصلت حتى في توزيع الخبز والطعام.. فالغرب له أنواع الخبز الفاخرة، والفلسطيني لا يصله حتى الفتات من الخبز اليابس.
لقد نثر تصريح مدير برنامج الأغذية العالمي، بأن المساعدات التي تسمح إسرائيل بدخولها لا تزال “قطرة في بحر” الحاجات، بعد أيام على إعلان الأمم المتحدة المجاعة رسميًا في غزة؛ الملح على الجرح الفلسطيني الدامي، حيث عزت المنظمة الدولية ذلك إلى “التعطيل المنهجي” لدخول المساعدات من جانب إسرائيل خلال الحرب المستمرة منذ سنتين تقريبًا بين إسرائيل وحركة حماس.
الطفل الغربي.. والطفل الفلسطيني
وأصبح الشعب الفلسطيني والغربي يتساءل: ما الفرق بين الطفل الأوروبي والغربي والطفل الفلسطيني؟ يبدو أن العالم نسي عدالة المعايير. الفرق الوحيد هو في عدالة المعايير، لا في إنسانية الطفل… إنه عالم مُتخَم بالوفرة الغذائية، وشعب جائع تحت الركام والقنابل والصواريخ والإبادة.. الطفل الأوروبي يولد في بيئة نظيفة راقية تصنع له الحياة، والطفل الفلسطيني يولد في بيئة مُعفَّنة!
الفلسطيني أكل الشجر والحجر
ولم يحرك العالم ساكنًا منذ إعلان المجاعة في غزة، ولا يعنيه شيء إلا رفاهيته وغذاؤه. وأصبح الطفل الفلسطيني يُولد في بيئة مقيتة تحرمه حتى من حق الحياة الكريمة؛ الطفل الأوروبي تفتح له المدارس أبوابها وتنتظره الملاعب، والطفل الفلسطيني تفتح له الأنفاق والملاجئ، وتطارده الطائرات وتسقط عليه القنابل والصواريخ، ويقتات من ورق الشجر ويأكل الحجر.
لماذا التفريق بين الأطفال؟
الغرب الذي يتغنّى بحقوق الإنسان والحرية المزعومة، يمارس ازدواجية فاضحة في توزيع الخبز والرحمة. ألا يستحق الطفل الفلسطيني العيش بكرامة؟ ولماذا يُترك للجوع والبرد والقصف؟
الدم الفلسطيني الرخيص”
في الضمير الإنساني الحقيقي لا فرق بين طفل وطفل، لكن في سياسات المصالح الغربية هناك دم رخيص وآخر له حصانة. السؤال ليس ما الفرق بين الطفلين، بل لماذا لا يرى الغرب أن الطفل الفلسطيني إنسان أيضًا؟
مشهد مبكٍ ومؤلم
في مشهد مبكٍ ومؤلم، تتجلى أقسى صور ازدواجية المعايير الدولية، فالعالم الذي يُنفق مليارات على رفاهية شعوبه، يقف عاجزًا – بل متواطئًا أحيانًا – أمام مشاهد الدموع والجوع والقصف التي يعيشها أطفال غزة.
التجويع عمدًا.. لماذا؟
إن الأوضاع الإنسانية في غزة تتدهور بشكل لحظي، حيث تزداد أعداد الضحايا نتيجة المجاعة وسوء التغذية، في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي وعمليات التجويع التي يتعرض لها سكان القطاع، بالإضافة إلى استهداف المواطنين أثناء تواجدهم في مراكز توزيع المساعدات الإنسانية.
بالمقابل، فإن الطفل الغربي إذا بكى تحرّكت الحكومات، وصاحت وسائل الإعلام، وسُنّت قوانين جديدة لحمايته. أما الطفل الفلسطيني، فدموعه تُقابل بالصمت، وصراخه يُخنق تحت الركام، وجوعه يُقابل بالعقوبات لا بالإغاثة.
لا يمكن فصل الجوع عن العطش
هذا الوضع المأساوي يعكس تدهورًا كبيرًا على كافة المستويات الإنسانية في القطاع، حيث لا يمكن فصل الجوع عن العطش، والنزوح القسري، والصدمات النفسية التي يعاني منها المواطنون، فضلًا عن القصف اليومي والقتل الممارس من قبل الاحتلال.
وأما الغرب فيوزّع الديمقراطية بمعايير مزدوجة، ويقيس الإنسانية بجواز السفر واللون والانتماء، ويتغاضى عن المجازر الجماعية إذا كان مرتكبها حليفًا، ويدين مقاومة الجائع إذا دافع عن حقه في الحياة.
ما الفرق بين الطفل الأوروبي والفلسطيني؟
الفرق ليس في الإنسانية، بل في العدالة. الفرق ليس في الحقوق، بل في من يمنحها أو يمنعها.
شركاء في الجريمة
الفرق أن أحدهم يعيش تحت سماء تُمطر سلامًا، والآخر تحت سماء تُمطر قذائف.
والأخطر من ذلك: أن الصمت العالمي على هذه الفروق لم يعد فقط تواطؤًا… بل شراكة في الجريمة.
إن هذه الأوضاع تعكس فشل المجتمع الدولي حتى الآن في الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية، وتمكين المؤسسات العاملة من تقديم الدعم اللازم للحد من تدهور الأوضاع.
خزائن ممتلئة وأعين مغمضة
وفي النهاية، سيُسأل هذا العالم:
لماذا سمحتم بمجاعة أن تأكل قلوب الأطفال، بينما خزائنكم ممتلئة وأعينكم مغمضة؟
عداد الموت لا يتوقف
في اليوم الـ690 من الحرب الإسرائيلية، لا تزال غزة غارقة في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية الكونية. ومع كل يوم يمرّ، يتضاعف وجع سكان القطاع بين المجاعة التي تحصد الأرواح، فيما تحولت المستشفيات إلى ساحات للموت، والانقطاع شبه التام لمقوّمات الحياة.

