بندر بن عبدالله بن محمد
تمهيد
الجهل ليس هو الأمّية، ولا هو مجرّد نقصٍ في المعرفة أو الثقافة. قد يحمل المرء أعلى الشهادات وله أتباعٌ بالآلاف، ثم يقع في أعمق معاني الجهل إذا اعتبر الباطل حقّاً فاتّبعه. لذا كان الجهل أخطر أعداء الإنسانية، لأنه لا يواجه الناس بفراغٍ علميٍّ فحسب، بل بتزييف الحقّ وإلباس الباطل ثوبه.
تعريف الجهل: ظلٌّ يتشبّه بالحقّ
الجهل ليس وجوداً قائماً بذاته، بل صفةٌ يكتسبها الباطل من تشبّهه بالحقّ؛ فهو طفيليّ يعيش على نور الحقّ ويستعير صورته ليخدع الأبصار. والتعريف الجامع له: الجهل هو اعتبار الباطل حقّاً واتباعه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢].
فإذا لُبِّس الحقّ بالباطل نشأ الجهل، وسار المرء وراء الوهم يحسبه هدى.
صور الجهل
الجهل الفردي
أن يُعرض الإنسان عن الحقّ اتباعاً لهواه أو شهوةٍ تُغشّي بصره. قال تعالى: ﴿…وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ…﴾ [الأعراف: ١٧٦].
الجهل الجمعي
أن يتحوّل الجهل إلى سلوكٍ عامٍّ تُغذّيه رموزٌ مُضلِّلة، فيُسلِم الناس عقولهم لمنابر الشهرة والسلطان. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ…﴾ [التوبة: ٣١].
الجهل الموروث
وهو ما تتوارثه الأجيال حتى يكتسب قداسةً زائفة. وقد واجه إبراهيم عليه السلام هذا اللون حين قال قومه: ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤].
الجاهلية: جهلُ الاتّباع لا جهلُ القراءة
لم تكن الجاهلية غياباً للقراءة والكتابة؛ فقد كان أغلب العرب يعرفون الخطّ والقراءة، وازدهرت بينهم المعلّقات والأسواق الثقافية كسوق عكاظ، وكان فيهم خطباء وشعراء وأدباء عظام. غير أنّ جهلهم كان في اتّباع الباطل وعبادة الأصنام، فاستحالت فصاحتهم سلاحاً للغواية، تُرفع به رايات العصبية وتُزيَّن به الأباطيل.
وقد بلغت فصاحتهم ذروتها حتى عُلِّقت المعلّقات على أستار الكعبة فخراً واعتزازاً، ومع ذلك جاء القرآن بلاغةً تتجاوز بيانهم، فاعترفوا بالعجز أمامه، ليبقى الحقّ أسمى من كلّ فصاحة وأرفع من كلّ بيان. ومن هنا سُمّيت تلك المرحلة بالجاهلية، لأن جوهرها كان الجهل بالحقّ لا فقدان العلم أو البيان.
أعوان الجهل وصناعة رموزه
الباطل لا يعيش بلا أعوانٍ يروّجون له: خطباء مفوّهون، شعراء، إعلاميون، ساسة، فنّانون ونشطاء… يُفتح لهم الإعلام وتُغدق عليهم الأموال حتى يصيروا ملءَ السمع والبصر. قال الله تعالى: ﴿…وَإِنَّ الشَّيَاطِينِ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ…﴾ [الأنعام: ١٢١]. بينما العالمُ الصادق والطبيبُ النافع والمعلّمُ المخلص قد يُطوى ذكرُهم.
الحقّ ثابتٌ والباطل زاهق
القرآن يقرّر ثبات الحقّ وزهوق الباطل ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا…﴾ [يونس: ٣٦].
وقال أيضاً: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ…﴾ [الأنعام: ١١٦].
خطورة الجهل على المجتمعات
إذا ساد الجهلُ مجتمعاً تبدّلت المقاييس؛ يُرى الظالمُ مصلحاً والفاسدُ زعيماً والفارغُ رمزاً، ويُهمَّش الحقّ بين الضجيج. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا…﴾ [لقمان: ٢١].
وقال موسى عليه السلام: ﴿…قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
ميزانٌ يقي من الجهل
لمن أراد السلامة: الرجوع إلى الحقّ حيثما كان، ونبذُ التقليد الأعمى، وتزكية العقل والفطرة بالوحي. قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣–١٠٤].
خاتمة
الجهل ليس فقرَ معلومةٍ، بل تعطيلُ ميزان التمييز بين الحقّ والباطل، وتمكينُ الباطل من التشبّه بالحقّ حتى يكتسب صفته. والنجاة تكون بإظهار الحقّ خالصاً، وتعرية الباطل من تزويقه، ومحاسبة النفس: أين نتبع دليلاً وأين نتبع هوى؟ فمن استمسك بالحقّ زهاق عنده الباطل، ومن لبّس الحقّ بالباطل وقع في الجهل وإن بدا للناس عالماً.
الجهل في واقعنا المعاصر
ما كان يُصنع في الماضي عبر سحرةٍ وكهنةٍ وخطباء قبائل، يُصنع اليوم عبر الشاشات والهواتف ومنصّات التواصل. تُرفَع صور وأسماء حتى تغدو في أعين الناس مراجعَ يُقتدى بها، ويُغدق على أصحابها المال والشهرة، ولو لم يقدّموا للإنسانية نفعًا حقيقيًّا. إنهم امتدادٌ لأعوان الباطل الذين وصفهم القرآن، لا يختلفون عن أئمة الجهل في الأمم الغابرة، سوى أن أدواتهم صارت أسرع انتشارًا وأوسع نفاذًا.
وهكذا يبقى الجهل هو التربة الخصبة التي يُراد للبشرية أن تعيش فيها؛ فإذا تهاونت المجتمعات في التمييز بين الحق والباطل، غمرها الضجيج، وضاع صوت الحق بين ملايين الصور والكلمات. غير أنّ الحقّ، كما وعد الله، لا يزول، بل يعلو ويزهق الباطل مهما تزيّن

