كتب: فهيم حامد الحامد محلل استراتيجي
يأتي القرار الأميركي برفض وإلغاء تأشيرات دخول أعضاء السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية للولايات المتحدة الأميركية، قبيل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كخطوة استباقية لوقف وهج وبريق المشاركة الفلسطينية وإسكات صوتها في المحفل الأممي السنوي، حيث من المتوقع أن تعترف العديد من الدول الأوروبية الحليفة لأميركا بالدولة الفلسطينية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا، خلال الاجتماع الأممي.
قرار في توقيت حاسم
وفي لحظة تاريخية، وقبل أسابيع فقط من انعقاد الجمعية العامة في نيويورك، حيث سيجتمع قادة العالم لمناقشة كيفية التعامل مع التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والحرب الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين؛ اتخذت الخارجية الأميركية هذه الخطوة التي ستمنع عمليًا مسؤولي منظمة التحرير والسلطة من دخول الولايات المتحدة لحضور الجمعية.
اللجنة العربية الإسلامية تطالب بإعادة النظر
وسارعت اللجنة الوزارية العربية الإسلامية بشأن غزة إلى الإعراب عن أسفها العميق إزاء قرار الخارجية الأميركية بعدم منح تأشيرات الدخول لوفد دولة فلسطين.
ودعت اللجنة، في بيان أصدرته، الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، مؤكدة أهمية احترام الالتزامات بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة، وإتاحة الفرصة للحوار والدبلوماسية، والبناء على المواقف الإيجابية للسلطة الوطنية الفلسطينية والتزامها الراسخ بخيار السلام الإستراتيجي.
إضعاف السلطة يقوض السلام
وشددت اللجنة أيضًا على ضرورة دعم السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس في المضي قدمًا ببرنامج الحكومة الإصلاحي، والالتزامات التي جدد التأكيد عليها أمام قادة الدول دعمًا للسلام ومواجهة العنف والتطرف والإرهاب، في ظل الظرف الصعب الراهن الذي يشهد تصعيدًا غير مسبوق ضد الشعب الفلسطيني. وحذرت من أن إضعاف السلطة الفلسطينية سيقوض جهود السلام ويديم الصراع. فيما انتقد البيان الأميركي السعي إلى ضمان اعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية.
من جهتها، استشهدت وزارة الخارجية الأميركية، على حد قولها، بقانون الامتثال لالتزامات «منظمة التحرير الفلسطينية» لعام 1989 (PLOCCA)، وقانون التزامات السلام في الشرق الأوسط لعام 2002 (MEPCA)، اللذين ينصان على مساءلة الكيانات الفلسطينية التي تفشل في مكافحة الإرهاب أو دعم السلام مع إسرائيل. إلا أن وزارة الخارجية أبقت الباب مفتوحًا أمام إعادة التواصل، معلنة أن بعثة السلطة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة ستحصل على إعفاءات بموجب اتفاقية مقر الأمم المتحدة، وأن الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع السلطة و«منظمة التحرير الفلسطينية».
صعوبة مشاركة الرئيس عباس
ووفق القرار الأميركي، فإن مشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستعقد الشهر المقبل، ستصبح صعبة.
سيناريو رفض مشاركة عرفات يتكرر
وقد يتكرر سيناريو عام 1988، عندما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يخطط للسفر إلى نيويورك لتقديم رسالة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن انعقادها تم في جنيف بعدما رفضت الولايات المتحدة السماح له بالدخول. وقد تقدمت الدول العربية آنذاك بقرار عقدها في جنيف وأيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية الساحقة، في خطوة هي الأولى من نوعها في تاريخ المنظمة.
وباعتبار الولايات المتحدة مضيفًا لمقر الأمم المتحدة في نيويورك، فإنه من المفترض ألا ترفض منح تأشيرات للمسؤولين الراغبين في المشاركة في اجتماعات المنظمة الدولية.
خوف وتوتر من تداعيات الأحداث
ويمثّل القرار الأميركي بإلغاء تأشيرات دخول مسؤولين فلسطينيين قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة تطورًا خطيرًا يعكس حجم التوتر في المواقف الأميركية تجاه التحركات الدبلوماسية الفلسطينية المتسارعة على الساحة الدولية.
قرار سياسي بامتياز
ورغم أن الولايات المتحدة بررت القرار باعتبارات “إدارية أو أمنية”، إلا أن توقيته ومضمونه يوضح أنه قرار سياسي بامتياز، هدفه خنق الصوت الفلسطيني ومنع ظهوره في أهم منبر أممي عالمي.
كبح الزخم الأوروبي
وفي الوقت ذاته، يهدف القرار إلى كبح الزخم الأوروبي تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ويتزامن هذا القرار مع حراك دبلوماسي أوروبي متصاعد، تقوده دول مثل فرنسا وبريطانيا والنرويج، للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، وهو ما تراه واشنطن تهديدًا مباشرًا لتوازنات الموقف الأميركي التقليدي المنحاز لإسرائيل.
رسالة سياسية للفلسطينيين
كما يعد القرار رسالة دبلوماسية تأديبية للسلطة الفلسطينية مفادها أن “تجاوز واشنطن” عبر طرق أبواب أوروبية وأممية سيكون له ثمن سياسي، حتى لو كان الثمن هو العزلة والضغط. فضلًا عن أنه يهدف إلى تغييب المشاركة الفلسطينية الفاعلة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقليل فرصها في إيصال رسائلها ومواقفها في ظل الزخم الدولي المتنامي لنصرة القضية الفلسطينية.
اعتراف فرنسي بريطاني وأوروبي
ويأتي القرار الأميركي عقب إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتزام بلاده الاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر. وإثر ذلك، دعت أكثر من 12 دولة غربية، منها كندا وأستراليا، دولًا أخرى حول العالم إلى أن تحذو حذوها.
معركة دبلوماسية مفتوحة
القرار الأميركي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة استباقية في معركة دبلوماسية مفتوحة، تحاول واشنطن من خلالها تقليص التأثير الفلسطيني في لحظة تاريخية فارقة، قد تشهد تحولًا جذريًا في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية، عنوانه الأبرز: “الاعتراف بالدولة الفلسطينية واقع يقترب”.

