د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
لم يكن السؤال في يوم من الأيام عن الطعام الذي يوضع على الطاولة، بل عن الطاولة نفسها، عن الضوء الذي يتساقط على وجوه الغرباء وهم يتحولون في لحظة إلى أصدقاء، عن الضحكات التي تختلط برنين الصحون وضجيج الملاعق والسكاكين، وعن الحوارات التي تولد بين لقمة وأخرى لتصنع ذاكرة أعمق من الوجبة ذاتها. المطاعم لم تكن مجرد مكان للأكل، بل مسرحاً للطقس الإنساني الأكثر بداهة: أن نجتمع لنثبت أننا لسنا وحدنا. طاولات مضاءة بأنوار خافتة، همسات تتقاطع مع رنين الملاعق، قوائم طويلة تُقلّب بأنامل مترفة تبحث عن مزاج اللحظة، وضحكات تتكسر فوق الأطباق. كانت المطاعم أكثر من مكان لابتلاع وجبة؛ كانت مسرحاً للحياة، مرآة للمدن، ومختبراً للعلاقات الإنسانية.
لكن في حقبة ما بعد منتصف القرن الحادي والعشرين، سيأتي خبر صادم: لن تعود هناك حاجة للمطاعم، لا بوصفها مؤسسات اقتصادية، ولا كطقس اجتماعي. المطاعم التي صمدت آلاف السنين من الحانات الرومانية إلى مقاهي باريس، ستنطفئ مثل شمعة أخيرة تُطفأ برفق….!
ولكن لماذا تلك الحقبة تحديداً؟ لأنها اللحظة التي ستكتمل فيها دورة التحول الغذائي التكنولوجي. الطابعات الحيوية ثلاثية الأبعاد ستغدو قادرة على إنتاج وجبات شخصية دقيقة، مصممة على أساس الجينات والاحتياجات اللحظية لكل جسد. لن يعود الإنسان يأكل لأنه جائع فقط، بل لأن خوارزمياته الداخلية تطلب مزيجاً محسوباً من البروتينات والأحماض الأمينية والدهون المبرمجة. الأكل سيتحول إلى معادلة، لا إلى متعة.
حينها، ستصبح فكرة (الخروج إلى مطعم) شيئاً عبثياً، لماذا تخرج وتنتظر وتدفع، بينما بإمكانك أن تطبع طبقك الأمثل في أقل من خمس دقائق داخل مطبخك الذكي؟ المطبخ لن يكون غرفة، بل جهازاً، كما هي الحال مع الهاتف أو الحاسوب. كل شيء متصل بالشبكة، وكل لقمة محسوبة لتمنحك أقصى طاقة بأقل هدر.
قد يعترض البعض ويقول: لكن الناس ستشتاق للقاءات، للموسيقى الحية، للطقوس. هنا يظهر البديل الأشد وقعاً: المطاعم لن تُمحى فجأة، بل ستتحول إلى فضاءات افتراضية. تضع نظارتك العصبية وتجلس في غرفة خالية، لكن عقلك يرى مطعماً إيطالياً في روما، أو باراً في نيويورك، أو مطعماً يابانياً على أطراف طوكيو. الطاولة افتراضية، الأصدقاء افتراضيون، حتى مذاق الطعام يُحاكى عبر واجهات عصبية تزرع في دماغك شعور التذوق. ستعيش التجربة كاملة، لكنها لن تترك فتاتاً على الطاولة، ولا بقايا على الأسنان، ولا رائحة في المكان. كل شيء سينتهي بانطفاء الشاشة.
وهنا يكمن الفقد الأكبر. المطعم لم يكن عن الطعام وحده، بل عن الاجتماع، عن أن تكون جزءاً من ضوضاء بشرية تشبهك وتخالفك في الوقت نفسه، عن انتظار النادل، وعن ارتباك الطلب الأول، وعن الاحتكاك العابر بوجوه لا تعرفها. عن لحظة تقع فيها عيناك على شخص يجلس في الزاوية، وتبدأ قصة. كل هذه التفاصيل، التي صنعت نسيجاً اجتماعياً عميقاً، ستختفي.
ما بعد منتصف هذا القرن لن يكون نهاية المطاعم فقط، بل نهاية شكل من أشكال الاجتماع الإنساني. وكما ماتت المقاهي الأدبية التي كانت تجمع الشعراء، وقبلها مات سوق عكاظ وحلبات تحديد الزعامة في العصور الغابرة، وكما ماتت الأسواق القديمة التي كانت ملتقى التجار والرحالة، ستموت المطاعم بوصفها ساحة للذاكرة. المباني ستبقى، لكنها ستتحول إلى متاحف. في قاعاتها تُعرض صور لرجال ونساء يضحكون حول طاولة خشبية، يرفعون كؤوسهم، يتذوقون طبقاً مشتركاً، يتبادلون أسرارهم في عتمة مطعم. سيبدو هذا المشهد غريباً لأطفال تلك الحقبة، كما تبدو لنا اليوم صور البشر الذين اجتمعوا حول النار في الكهوف. سيتساءلون بدهشة: كيف كان الناس يضيعون وقتهم في انتظار الطعام؟ وستكون الإجابة أشبه بحكاية أسطورية.
لكن السؤال الأعمق: ماذا سيتبقى من إنسانيتنا حين نفقد هذا الطقس؟ هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا مكان يشاركه فيه الآخرون كسرة خبز؟ إذا ماتت المطاعم، هل سيموت معها شيء من الروح الجماعية؟ أم أننا سنكتشف أن كل ما كنا نعتبره (ثقافة) لم يكن إلا وهماً عاطفياً؟
قد يقول متفائلون إن الإنسان سيبتكر طقوساً جديدة، وإن التكنولوجيا ستعوض الفقد. لكن التاريخ يعلّمنا أن كل فقد اجتماعي يترك فراغاً لا يُملأ أبداً. كما لم تعوض الهواتف المحمولة الرسائل الورقية، وكما لم تعوض المحادثات الرقمية دفء اللقاء وجهاً لوجه، لن تعوض المطاعم الافتراضية صخب مطعم حيّ برائحة البهارات والضحكات والانتظار.
الحقبة المقبلة ستطوي آخر فصل من ثقافة المطاعم، لكن السؤال سيبقى معلقاً: هل انتهت المطاعم فعلاً، أم انتهينا نحن؟ هل كان الأكل طقساً جماعياً أم ستاراً هشاً نخفي خلفه خوفنا من الوحدة؟ ربما ما سيموت ليس المطعم، بل حاجتنا لأن نكون معاً. وحينها، سيبقى المستقبل فراغاً يبتلع الطاولة والكراسي والوجوه، ويترك الإنسان وحيداً مع شاشته، يلوك طعاماً بلا طعم، في صمت يساوي الموت.

