تشهد شمال مالي تصعيدًا خطيرًا مع تمدد الحركات الانفصالية، وعلى رأسها جبهة تحرير أزواد، التي عززت نفوذها العسكري على حساب باماكو. هذا التوسع لا يعيد فقط إنتاج دوامة العنف في إقليم هشّ، بل يشكل تهديدًا مباشرًا على دول الجوار بالأخص الجزائر، بحكم الحدود المشتركة والامتداد العرقي والثقافي للطوارق بين جنوبها وأزواد.
ففي نوفمبر 2024، وجّه رئيس الوزراء المالي اتهامًا مباشرًا إلى فرنسا، متهما إياها بدعم جبهة تحرير أزواد، بل والتنسيق مع جماعات إرهابية متحالفة معها. وتأكدت هذه الاتهامات بشكل أكثر وضوحًا في أغسطس 2025.
باريس في وضع اتهام
في السياق يقول علي حبيب، الأكاديمي والإعلامي الليبي المتخصص في الشأن الإفريقي، إن هناك اتهامات تتصاعد ضد باريس بدعم مخططات انفصالية جنوب الجزائر، في ظل توتر مزمن بين البلدين؛ فالتمدد الأزوادي في شمال مالي يحمل بذور عدوى محتملة قد تجد صداها في الداخل الجزائري، حيث سبق لبعض الأصوات في الجنوب أن رفعت شعارات تتحدث عن التهميش والمطالبة بالحكم الذاتي، وهي مطالب وإن كانت محدودة، إلا أن صعود تجربة انفصالية ناجحة في الجوار سيمنحها بالتأكيد زخمًا جديدًا.
وأضاف علي حبيب، الأكاديمي والإعلامي الليبي المتخصص في الشأن الإفريقي، خلال تصريحاته لـ”الوئام”٬ أن فرنسا، التي فقدت نفوذها العسكري التقليدي في مالي بعد انسحاب قواتها، يبدو أنها لم تتخلَ عن طموحاتها في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي وفق مصالحها الخاصة.
وتابع”بدلًا من التدخل المباشر، تلجأ باريس إلى أدوات غير تقليدية، عبر دعم مجموعات مسلحة ذات طابع عرقي أو انفصالي، لتبقى حاضرة في معادلات القوة المحلية، حتى ولو جاء ذلك على حساب وحدة الدول واستقرار شعوب المنطقة”.
حسابات النفوذ
وأكد الباحث الليبي أنه من الواضح أن ما يُحاك في شمال مالي ليس شأناً داخليًا ماليًا فحسب، بل له امتدادات إقليمية تمسّ صميم الأمن الجزائري. إن نجاح فرنسا في زعزعة مالي من جهة، وخلق بؤر توتر في الجنوب الجزائري من جهة أخرى، سيمثل ضربة مزدوجة تهدف إلى كسر طموح الجزائر الإقليمي واستقلالية قرارها السياسي.
ولهذا، فإن التحرك الجزائري يجب أن يكون استباقيًا، مدعومًا برؤية استراتيجية طويلة المدى، تجمع بين حماية الجغرافيا، وصون السيادة، والتصدي لمشاريع الهيمنة المقنعة.

