بندر بن عبدالله بن محمد
أصل الرواية
ورد في كتب الحديث عبارات منسوبة إلى النبي ﷺ، منها قوله: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه». وقد استدل بها كثير من الفقهاء على أنّ الوحي لم يكن مقتصراً على القرآن الكريم، بل شمل السنّة القولية والفعلية، فجعلوا لها منزلة مساوية للقرآن في التشريع والبيان. وانتقلت هذه العبارة إلى كتب التفسير والفقه لتصبح قاعدة عند طائفة واسعة من المشتغلين بالتراث، يقررون بها أنّ ما قاله النبي من أقوال أو فعله من أفعال هو وحي كالقرآن.
الرؤية التقليدية
الفقهاء فسّروا «ومثله معه» بأنّه الوحي غير المتلو، أي السنّة النبوية. فكما أن القرآن أُنزل من عند الله، فكذلك أوحى الله إلى نبيه في غير ما آية وأمر وتفصيل، ليبيّن للناس مراد ربهم. ومن ثمّ عُدّت السنّة عندهم المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، بل جعلوا لها في بعض المواضع سلطة النسخ أو التخصيص أو التقييد. وهذا التفسير هو الذي ساد في كتب الأصول والتفسير، مثل ما جاء في مصنفات الشافعي وغيره ممن رسّخوا هذه القاعدة.
الإشكال القرآني
غير أن الناظر في نصوص القرآن يجد أنّ الله جلّ وعلا نصّ على أنّ الوحي المنزل إلى النبي هو القرآن نفسه لا غير ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن …﴾ [الأنعام: 19].
فالآية واضحة في أنّ الذي أُوحي هو القرآن وحده، ولم يذكر نص قرآني أنّ كتاباً آخر نزل معه أو أنّ وحياً موازيًا للقرآن كُتب للناس.
ثم إنّ الله وصف وظيفة النبي ﷺ بقوله ﴿… وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم …﴾ [النحل: 44].
فالذكر ـ وهو القرآن ـ هو المنزل، ودور النبي هو البيان. والبيان لا يعني كتابًا آخر موازياً، وإنما هو التوضيح والشرح بالفعل والقول والسلوك.
دلالة “المثل” في القرآن
من يتأمل القرآن يجد أنّ عبارة المثل ومشتقاتها تُستعمل لتدلّ على المضاعفة أو التكرار أو ضرب الشبه. ففي مواضع الوعيد:
﴿… لو أن لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه …﴾ [المائدة: 36]، أي لو ضُوعف لهم الملك، لما أغنى ذلك عنهم شيئًا.
وفي مواضع الرحمة ﴿… ووهبنا له أهله ومثلهم معهم …﴾ [ص: 43].
وهذا لا يعني مجرد مضاعفة العدد بزيادة النساء أو الأولاد، بل هو إكرام زائد بالرفعة والبركة والنعمة، حتى يكون العطاء مضاعفًا في القيمة لا في العدد فقط. فالقرآن يعبّر بالمثلية عن عودة النعمة مع زيادة في الجمال والمكانة والبركة، لا عن جمع الأعداد فحسب.
فالمثلية هنا إذن تفيد الزيادة النوعية في الخير والكرامة، أو التأكيد على العجز عند الكافرين، بحسب السياق. ولم يُذكر النبي أو الرسول محمد ﷺ بهذه الخاصية قط، بل اقتصرت على ضرب الأمثلة القرآنية. ومن هنا ندرك أن عبارة «ومثله معه» لا تعني كتابًا آخر بجانب القرآن، وإنما أسلوب قرآني قائم على التكرار والبيان.
الوحي الخاص بالنبي
من تدبر القرآن يتبين أن الوحي لم يكن دائماً متعلقاً بالتشريع والعبادة، بل جاء أحياناً في شؤون خاصة بالنبي ﷺ أو بأحوال مجتمعه. قال تعالى في شأن المنافقين ﴿… يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم …﴾ [التوبة: 94]. فالوحي هنا إخبار عن خفايا النفوس، لا حكم شرعي جديد.
وقال تعالى في شأن بيته ﴿… وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه … قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: 3].
وهنا جاء الوحي في مسألة شخصية أسرّها النبي، فأطلعه الله على ما خفي عنه.
إذن للوحي مستويان:
- وحي الرسالة (القرآن): وهو الكتاب المنزل للناس كافة.
- وحي خاص بالنبي: مرتبط بزمانه وظروفه، يعينه على إدارة حياته ودعوته، لكنه ليس وحياً تشريعياً عاماً.
الفهم الأوفق للقرآن
إن الاقتصار على القرآن باعتباره الوحي المنزل لا ينفي دور النبي، بل يضعه في موضعه الصحيح: المبيّن لا المشرّع بكتاب آخر. فالنبي يوضح للناس مراد الله بلسانه وسيرته، ويجسد المعاني القرآنية في واقعه، لكنه لا يقدّم وحياً مكتوباً آخر يوازي القرآن.
وبهذا الفهم، تصبح عبارة «ومثله معه» ـ إن صحت روايتها ـ إشارة إلى البيان العملي النبوي، أو إلى التماثل والتكرار الكامن في أسلوب القرآن ذاته، لا إلى كتاب ثانٍ أُنزل بجانب القرآن.
الخاتمة
القرآن كتاب الله الذي تكفّل سبحانه بحفظه ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: 9].
فلم يعتريه تحريف ولا زيادة ولا نقصان. أما ما تواتر من أفعال النبي كالصلاة والصيام والزكاة والحج فجميعها مذكورة في القرآن، وقد نقلها الناس جيلاً بعد جيل تواتراً عملياً لا مجال فيه للشك، فكان الرسول بصفته رسول الله مبيّناً كيفية الأداء. وأما المرويات القولية الفردية، فهي بشرية من جهة الألفاظ، لم يتكفّل الله بحفظها، فوقع فيها الاختلاف والتحريف والزيادة والنقصان.
وعليه، فإن كل ما روي عن النبي ﷺ يُعرض على القرآن:
- فإن وافق القرآن لفظًا ومعنى وتماثل معه كان حسنًا مقبولًا.
- وإن خالف القرآن أو ناقضه لفظًا أو معنى لم يُعتبر صحيحًا.
وبذلك يبقى القرآن هو الأصل الثابت والميزان الأعلى الذي تُوزن به كل المرويات، وما سواه تابع له لا مستقل عنه.

