منذ أن أعلنت حكومة بيدرو سانشيز مطلع سبتمبر الجاري حظر صفقات الأسلحة مع إسرائيل، كجزء من موقفها السياسي الرافض للهجمات على غزة، بدا القرار أشبه بانتقال رمزي أكثر منه قطيعة عملية. فإسبانيا، التي طالما اعتمدت على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في مجالات دقيقة، تواجه اليوم معضلة معقدة بين المبدأ الأخلاقي والضرورة الاستراتيجية.
في خطابه يوم 8 سبتمبر، شدد سانشيز على أن الحظر يهدف إلى “إنهاء الإبادة الجماعية في غزة”، مؤكداً أن الحظر المطبق بحكم الأمر الواقع منذ أكتوبر 2023 سيصبح ملزماً قانونياً. وبالفعل، ألغت الحكومة صفقات بمئات الملايين من اليوروهات، من بينها قاذفات صواريخ مضادة للدبابات كان يفترض إنتاجها محلياً بترخيص إسرائيلي. لكن ما يظهر في الخطاب لا يعكس بالضرورة سهولة التطبيق على الأرض.
مصدر عسكري إسباني وصف الخطوة بأنها “ثورة”، لكنه أقرّ بأنها محفوفة بالصعوبات. فالتكنولوجيا الإسرائيلية ليست مجرد سلاح يُشترى ويباع، بل منظومات مدمجة داخل البنية الدفاعية الإسبانية: من أجهزة الاتصال في الدبابات، إلى تحديث مقاتلات F-5 التي تستخدم لتدريب الطيارين في أكاديمية القوات الجوية حيث تدرس الأميرة ليونور، وصولاً إلى صيانة هذه الطائرات من قبل شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI).
محاولة استبدال هذا الاعتماد ليست يسيرة. وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس أكدت أمام البرلمان أن الصناعات الإسبانية والأوروبية باتت تملأ الفراغ، وأن العقود مع إسرائيل توقفت منذ يوليو الماضي. لكنها امتنعت عن تحديد الأنظمة المتأثرة مباشرة، ما أثار شكوك الخبراء حول جدية التعويض.
فيليكس أرتياغا، الباحث في معهد ريال إلكانو، أشار إلى فجوة كبيرة: “لا توجد تكنولوجيا إسبانية بديلة. الأمر يتطلب سنوات من البحث والتطوير، وفي الأثناء قد نضطر لاستيراد الحلول من الولايات المتحدة، ما يعني ببساطة استبدال تبعية بأخرى”. وبذلك يظل شعار “الاستقلالية الاستراتيجية” بعيد المنال.
الضغط لا يقتصر على الجانب الصناعي. فالتوتر الروسي المتصاعد على حدود أوروبا يفرض على مدريد أن تكون مستعدة عسكرياً. وفي هذا السياق، تبدو التكنولوجيا الإسرائيلية أكثر إغراءً لأنها مجرّبة ميدانياً، خصوصاً في أنظمة الدفاع الصاروخي. الباحث ديفيد خلفا من مؤسسة جان جوريس يلخص المعضلة قائلاً: “بين المبادئ الأخلاقية إزاء غزة والواقع الجيوسياسي، ثمة فجوة يصعب ردمها”.
البدائل المتاحة محدودة. فباستثناء الولايات المتحدة، لا يملك سوى الروس والصينيين خبرة مماثلة في تطوير أنظمة دفاع جوي متقدمة، وهو ما يجعل الخيارات الأوروبية شديدة التقييد. ومع تصاعد التهديدات الروسية في شرق أوروبا، كما في حالة إستونيا وبولندا، يزداد شعور مدريد بالقلق.
من الواضح أن القطيعة الكاملة مع إسرائيل ليست قراراً عسكرياً بحتاً، بل هي أيضاً ورقة سياسية تعكس اصطفاف حكومة سانشيز اليسارية مع الرأي العام المتعاطف مع الفلسطينيين. لكن ما بين الإعلان والواقع، تظل الخطوات مليئة بالعقبات. فإسبانيا قد تتمكن من تجميد صفقات هنا أو هناك، غير أن التخلص من الاعتماد التكنولوجي الراسخ على إسرائيل سيستغرق سنوات طويلة، إن لم يكن عقوداً.
بالمحصلة، تحاول مدريد الموازنة بين صورة دولية أخلاقية وسياسة دفاعية واقعية. لكن معضلتها تكمن في أن التخلي عن التكنولوجيا الإسرائيلية قد يقودها في نهاية المطاف إلى باب واشنطن، بدلاً من أن يفتح أمامها طريقاً نحو الاستقلالية الاستراتيجية.

