د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
تعرفت على الصياهد كمفهوم وفلسفة وثقافة من خلال رجل لم يكن مجرد عاشق ومربي للأبل أو وجه اجتماعي بارز، بل كان مدرسة في الكرم والحكمة والأنفة، الشيخ عايض بن محمد آل ظبية.
في مجلسه المهيب، تلمس معنى الأصالة بكل تفاصيلها: حفاوة لا تعرف الاصطناع، مروءة تفيض من عينيه قبل لسانه، وأبناء وأحفاد يحيطونك بهالة من الأدب والاحترام.
لم أرَ يومًا هذا المستوى من الانسجام الأسري الذي تحوّل إلى سيمفونية صامتة من الوقار.
هناك، أدركت أن الإبل ليست مخلوقات نفيسة في ثقافتنا فحسب، بل مرآة لشرف القبيلة وكرامة أهلها، وأن الشيخ عايض، بوقاره وهيبته وكرم أبنائه، كان البوابة التي جعلتني أكتشف عشق الصياهد وأسرارها.
حين تصل إلى فكرة الصياهد، تدرك سريعاً أنها ليست مجرد موقع مميز في الصحراء او مهرجان تراثي، بل عالم يفيض بالرمزية، مساحات الرمل تمتد حتى يلتقي الأفق بالسماء، وكأنها مرآة لروح البدوي الذي لم ينحنِ يوماً إلا للرحمن، هناك تبدأ الحكاية مع مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل، حيث تتحوّل الرمال إلى مسرح مفتوح، تتنفس فيه الإبل كبرياءها ويزهو فيه الإنسان بذاكرته.
بعد هذا العشق الافتراضي ذهبت لمشاهدة الفيديوهات الكثيرة في فضاء اليوتيوب، رأيت مشهداً لن أنساه: فتى لم يتجاوز العشرين يهمس في أذن ناقته قبل دخولها حلبة المزايين، كأن بينهما لغة لا نسمعها.
كان يربت على عنقها بحنو، فيما ترفع هي رأسها وكأنها تدرك أن لحظتها الكبرى قد حانت. دخلت بخطوات ثابتة، ومع كل خطوة كان التصفيق يتصاعد، وكأنها ملكة تسير بين عرشين. لم تكن مجرد منافسة، بل كانت قصة عشق بين إنسان ومخلوق يرفض عشاقه وصفه بأنه مجرد حيوان.
وفي فيديو آخر، شيخ مسنّ جلس على حافة الكثبان، عيناه تلمعان بالدموع وهو يراقب الإبل تمرّ أمامه مردداً “هذه الإبل كبرنا معها، سارت معنا في السفر، وحمتنا من العطش، ومن دونها ما كان لنا عز ولا جاه”، كانت كلماته تلخص حكاية أجيال، كأن كل ناقة تحمل فوق سنامها تاريخاً من الصبر والمروءة.
المهرجان ليس مجرد منافسة على الألوان والجمال، بل هو اجتماع للأرواح. ترى الشيوخ والشباب والأطفال يتناثرون بين الخيام، أصوات المزايين تختلط برائحة القهوة والهيل، وأحاديث المجالس تعيد لك صور الماضي وكأنها تُبعث من جديد.
ولأن التقنية حضرت بقوة، صارت الطائرات المسيّرة تحوم فوق المكان، تنقل الصور إلى العالم، لكن ما لا تنقله هو الإحساس الذي يتغلغل في روحك حين تسمع هدير الريح ورغاء الإبل معاً.
وفي لحظة نادرة عند الغروب شاهدت عبر مقطع آخر كيف تتحوّل الصياهد إلى لوحة أسطورية. الشمس تتوارى خلف الكثبان، والإبل تصطف على خط الأفق وكأنها حراس الزمن. عندها تفهم أن هذه الأرض ليست مجرد رمال، بل كتاب مفتوح كتبته الطبيعة بحبر الصبر والدهشة. كل مشهد فيها قصيدة، وكل خطوة للإبل آية.
لقد تعلمت من بن ظبية فلسفة أن من يدخل عالم الابل لن يخرج منها كما كان. فهي تمنحك يقيناً بأن العلاقة بين الإنسان والإبل ليست علاقة ملكية أو منفعة، بل علاقة وجودية، تختصر معنى الصبر والوفاء والكرامة.
ومن خلال الشيخ عايض بن محمد آل ظبيه وأبنائه الكرام، رأيت كيف يظل هذا التراث حياً ، وكيف يتحول إلى سلوك يومي يمارسونه في مجالسهم قبل مضارب المهرجان، وسط رمال الصياهد، الإنسان والإبل يتشابهان أكثر مما نظن.
كلاهما يسير في دروب الحياة مثقلاً بالعطش، متمسكاً بالصبر، محتفظاً بذاكرة لا يراها أحد. الإبل تحفظ الطريق بحدسها، والإنسان يحفظ الحكمة بألمه.
وكأن لقاءهما في هذه الأرض ليس مصادفة، بل موعد قديم رتّبته الأقدار لتذكيرنا بأن البقاء ليس قوة الجسد فقط، بل صفاء الروح أيضاً.
الصياهد بهذا المعنى ليست صحراء تُزار، وإنما وطن يُعاش. كل من يمر بها يترك شيئاً من قلبه، ويأخذ منها شيئاً من روحها. وأنا قررت ان ادخلها من بوابة الشيخ عايض وأبنائه بعد ان اصبحت محمّلاً بعشق لا ينطفئ ويقيناً بأن هذه الأرض ستظل منبعاً للدهشة، وأن الإبل ستظل، كما كانت دائماً، مرآةً لأصالة السعودية ولحكاية لا تنتهي.

