يرى المحلل الأمريكي نيكو ماكموري أن الإدارة الأمريكية حددت واحدا من أهداف الطاقة الأكثر جرأة في التاريخ الأمريكي وهو زيادة انتاج الطاقة النووية أربعة أضعاف بحلول عام 2050.وهذا هدف طموح ولكنه ضروري حيث من المتوقع أن يتضاعف طلب الولايات المتحدة على الكهرباء بحلول عام 2050.
وقال ماكموري المدير الإداري للسياسة الدولية والنووية في منظمة كلير باث المعنية بشؤون الطاقة والتي تهدف إلى تسريع الابتكار الأمريكي للحد من انبعاثات الطاقة العالمية في تقرير نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية ، إن زيادة انتاج الطاقة النووية سوف تكون ضرورية للاقتراب من تلبية الطلب المتوقع بينما تخفض أيضا الانبعاثات.
وتابع ان تحقيق هذا الهدف سوف يتطلب بناء مفاعل جديدة بمعايير غير مسبوقة في الولايات المتحدة. وبناء على المسارات الحالية، سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى إضافة قدرة تعادل أسطولها الحالي من المفاعلات، الذي يضم 95 مفاعلا، كل عقد حتى عام 2050.
وليست الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تسعى للتعامل مع هذا التحدي. فقد وضعت أكثر من 30 دولة أخرى هدفا لزيادة القدرة النووية العالمية ثلاثة أضعاف .
ويمكن لاستراتيجية أمريكية محددة وقيادة عالمية قوية، إضافة إلى تعاون الحلفاء في قطاعات الوقود والتصنيع والتمويل، تحقيق الاهداف المنشودة .
والعنصر الأعظم الذي تملكه الولايات المتحدة لتحقيق ذلك هو قطاع خاص رائد عالميا ومبتكر. ولكن حتى في الوقت الذي يقدم فيه عملاء التكنولوجيا والصناعة وعودا بضخ استثمارات ضخمة، فإنه يتعين على الولايات المتحدة تركيز مواردها العامة والخاصة لضمان أن يكون لدى الشركات الأدوات اللازمة لتوسيع نطاق أنشطتها.
وأثبت الكونجرس التزامه بالطاقة النووية من خلال سياسة تبناها الحزبان الجمهوري والديمقراطي وتقديم حوافز مالية، ولكن يمكن عمل المزيد لتقليص مخاطر الاستثمار في الوقت الذي تتطلع فيه شركات التكنولوجيا النووية إلى جذب رأس المال الخاص.
وعلاوة على ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تتعاون على نحو فعال مع حلفائها. وتملك دول مثل كندا إمدادات موثوقة من اليورانيوم، ولدى اليابان خبرة في مجال إعادة تدوير الوقود النووي، وتملك اليابان وكوريا الجنوبية قدرات تصنيعية قوية تركز على التعاون الدولي والنمو المدفوع بالتصدير.
وإضافة إلى ذلك، وقعت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اتفاق شراكة للتعاون في قطاع صادرات الطاقة النووية لتوسيع نطاق السوق العالمية. وأخيرا، فإنه نظرا لأن دول مثل بولندا ورومانيا تسعى إلى إيجاد مصادر بديلة للطاقة الروسية في أوروبا الشرقية، فإنه تتاح أمام الولايات المتحدة فرص كثيرة للدخول في شراكات .
وسوف تكون هذه الشراكات الاستراتيجية ضرورية في الوقت الذي تتصاعد فيه المنافسة الدولية. ومعروف أن الصين وروسيا تسيطران على السوق النووية العالمية.
ونظرا لأن استهلاك الطاقة العالمي وصل إلى أعلى مستوياته على الإطلاق، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 76% بحلول عام 2050، فإنه يترتب على استمرار زيادته تداعيات جيوسياسية. فإذا اعتمد أمن الطاقة في بلد ما اعتمادا كليا على بلد آخر، فإن الحفاظ على استقلاله يكون أكثر صعوبة.
ويشكل هذا تهديدا مباشرا للمصالح والقيم الأمريكية، ولكن الشركات الأمريكية لا تستطيع المنافسة وفقا لهذه الشروط.
ومن الناحية العملية ، فإنه عندما تبيع الصين أو روسيا مفاعلا نوويا لدولة أخرى، تقدم الشركة المملوكة للدولة صفقات تقوم بنوك الدولة بتمويلها بالكامل تقريبا بشروط سخية.
وعلى سبيل المثال، قدمت روسيا لمصر 25 مليار دولار – ما يبلغ حوالي 85% من إجمالي التكلفة – لتمويل إنشاء مفاعل نووي، وأعلنت الصين أنها سوف تقوم بتوفير التكلفة الإجمالية ،التي تبلغ 8ر4 مليار دولار – لإنشاء مفاعل نووي في باكستان.
ويعد المشروع النووي شراكة طويلة الأمد مع دولة أخرى، ويمكن للصادرات النووية أن تخضع الدول المضيفة لعقود من التبعية بسبب الحاجة المستمرة للوقود وعمليات التشغيل والصيانة، وفي نهاية المطاف تقديم المساعدة في إيقاف التشغيل.
وذلك هو السبب وراء الحاجة لقيام الحكومة الأمريكية بإعادة النظر في الكيفية التي تدعم بها المبتكرين والمصنعين في القطاع الخاص.
ويتعين على أمريكا أن تستخدم الموارد المتوفرة لديها بالفعل، مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية وبنك التصدير والاستيراد، والتي يمكن أن تساعد في تأمين المشاريع من المخاطر حتى تتمكن الشركات من جذب رأس المال الخاص والمنافسة.
وفي الوقت الراهن، لا تتوفر فرصة لزيادة تأثير وفعالية هذه الوكالات فحسب، بل هناك فرصة أيضا لتعزيز انشطتها.
وتحتاج كل من مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية وبنك التصدير والاستيراد الأمريكي إلى إعادة تفويض في دورة الكونجرس ، وهذا من شأنه أن يتيح فرصة كبيرة للكونجرس لإجراء التغييرات الاستراتيجية التي يمكن أن تساعد الشركات النووية الأمريكية على المنافسة والريادة عالميا.
مع ذلك، لا تعد إعادة التفويض كافية. وتحتاج حكومة الولايات المتحدة أيضا إلى أن تسلك نهجا أكثر شمولية. ومنذ عام 2015، بلغ تمويل الصين العالمي للطاقة عشرة أضعاف تمويل الولايات المتحدة.
ولا يمكن للولايات المتحدة، ولا ينبغي لها، أن تحاول أن تواكب الدعم الحكومي الصيني دولارا بدولار؛ ومع ذلك، يمكن لمفاهيم مثل اتفاقيات أمن الطاقة أن تنسق المهام التي تقوم بها الوكالات الفيدرالية لتعزيز مصالح الأمن القومي الأمريكي.
ومن خلال النظر في الكيفية التي يمكن أن تدعم بها هذه الأدوات الطاقة النووية، يمكن أن تنشئ وزارة الخارجية مجلس خدمة المؤسسات مع دولة مهتمة ببناء تكنولوجيات نووية أمريكية.
ومع الاهتمام السابق ذكره بالطاقة النووية، يتاح للولايات المتحدة فرصة كبيرة للقيام بدور استباقي في هذه الشراكات. وسيضع مركز خدمة المؤسسات أهدافا واضحة وقابلة للقياس، ثم يحدد ما هى القدرات عبر قطاعات الحكومة التي تكون الأكثر منطقية ومعقولية لمساعدة دولة ما على توسيع بنيتها التحتية وقدراتها الفنية والتنظيمية.
وعلى سبيل المثال، فإن وكالات مثل وزارة التجارة، ووزارة الطاقة، ووكالة التجارة والتنمية الأمريكية لديها جميعا مهارات ومجالات تركيز مختلفة . وسوف يسهم نهج منسق في تقليص الإجراءات البيروقراطية الحكومية، والسماح للشركات الأمريكية بالمنافسة، وتحقيق هدف بناء تقنية جديدة خاصة بالمفاعلات .
ويعد الابتكار في القطاع الخاص الأمريكي مفتاح الهيمنة في قطاع الطاقة. وتعد مضاعفة الطاقة النووية عالميًا ثلاثة امثال أو أربعة أمثال على المستوى المحلي هدفا طموحا ، لكن الطموح دائما قوة أمريكية.
واستطرد ماكموري أنه يمكن للولايات المتحدة من خلال التعاون مع حلفائها أن تحقق هذا الهدف في الداخل بينما تقدم للعالم تقنيات بديلة تتوافق مع معايير السلامة والأمن العالمية.
واختتم ماكموري تقريره بالقول إنه يجب أن تعزز استراتيجية تعاونية كلا من تأثير وفعالية السياسة المحلية والشراكات الدولية. ومن خلال العمل “معا”، لن تتمكن أمريكا من تأمين مستقبلها في مجال الطاقة فحسب، بل ستعمل أيضا على تعزيز زعامتها في عالم سريع التطور.

