أصبحت الطائرات المسيرة اليوم، واحدة من أهم أدوات الحروب الحديثة، إذ غيّرت موازين القوى التقليدية، وسمحت للجيوش الأصغر بمواجهة خصوم أقوى عبر التكنولوجيا والابتكار بدل التفوق العددي أو الناري.
هذا ما أكده ديفيد كيريتشينكو، الصحفي والباحث المتخصص في أنظمة القتال الذاتية والحروب غير النظامية والاستراتيجيات العسكري، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأمريكية.
ويقول كيريتشينكو إن المسيرات البحرية الأوكرانية أغرقت سفنا حربية، واستهدفت محطات نفطية، بل وأسقطت مروحيات ومقاتلات روسية فوق البحر الأسود.
اعتمدت أوكرانيا على الطائرات المسيرة وحرب اللاتماثل لمواجهة التفوق الناري الروسي، ولم يكن هذا النهج أكثر فاعلية في أي مكان كما هو في البحر الأسود. فخلال مسار الحرب، حيدت أوكرانيا ثلث أسطول البحر الأسود الروسي، مما أجبر معظم سفن البحرية الروسية على الانسحاب من شبه جزيرة القرم المحتلة. واليوم، تفرض المسيرات البحرية الأوكرانية، أو المركبات السطحية غير المأهولة، فعليا حصارا على الموانئ الروسية.
ومع ذلك، فإن الصراع بعيد عن نهايته. فموسكو تتكيف تدريجيا، وتتعلم من أخطائها، وتستثمر في دفاعات جديدة. ورغم أن أوكرانيا لا تزال متقدمة، إلا أن هناك مؤشرات على أن الكرملين بدأ يأخذ مسألة الأنظمة غير المأهولة وتأثيرها على الحرب البحرية على محمل الجد.
عقب الغزو الروسي الأول عام 2014، فقدت أوكرانيا معظم أسطولها البحري، وبحلول عام 2022، تخلت كييف حتى عن آخر سفينة حربية متبقية . وقبل الغزو الشامل بوقت طويل، أدركت أوكرانيا أن تحقيق التكافؤ العسكري مع روسيا سيكون مستحيلاً
وقال سيرهي كوزان، رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني والمستشار السابق في وزارة الدفاع، في مقابلة نشرها “المعهد البحري الأمريكي: ” نتيجة لذلك، كان لا بد من بناء البحرية وفق مبدأ غير متماثل.”
ومع امتلاك روسيا موارد وبشرا أكثر بكثير، لجأت كييف إلى براعة شعبها، واستثمرت الابتكار في كل ما يمكن.
وكتب فاليري زالوجني، القائد العام السابق للقوات المسلحة الأوكرانية: “تكمن ميزة أوكرانيا في شعبها، الذي لم يوقف العدو فحسب، بل حوّل البلاد إلى مركز للابتكار في ميدان المعركة.”
وفي الممارسة العملية، تجلى هذا الابتكار في استبدال السفن الحربية المفقودة لتحل محلها مسيرات.
وقالت ديبورا فيرلامب، الشريكة المؤسسة لشركة رأس المال الاستثماري “جرين فلاج فنتشرز” التي تركز على أوكرانيا: “الأوكرانيون على حق عندما يقولون: أرسلوا الروبوتات، لا البشر.”
لقد أصبح الحفاظ على حياة الجنود الهدف الأهم، وتسعى أوكرانيا بشكل متزايد إلى اتباع استراتيجية “الروبوتات أولا” عبر بناء درع تكنولوجي على طول الجبهة. وكما قال أحد الجنود الأوكرانيين: “هذه ليست حربا تقليدية، إنها حرب طائرات مسيّرة، حرب تكنولوجيا.”
وفي الواقع، لم تُعد المسيرات البحرية الأوكرانية تشكيل ميزان القوى في البحر الأسود فحسب، بل جذبت اهتمام المخططين العسكريين حول العالم. وكما أشارت مجلة ذا إيكونوميست: “رجال البحرية في جميع أنحاء العالم يراقبون الحرب في البحر الأسود لاستخلاص الدروس حول كيفية حماية سفنهم، التي أصبحت أكثر عرضة لهجمات المركبات السطحية غير المأهولة.”
وبينما كان نجاح المسيرات البحرية ضد السفن الثقيلة مطمئنا لأوكرانيا، قالت المجلة إن ذلك “مقلق لحلفائها”.
وكما هو الحال في معارك الطائرات المسيرة في الجو، تلعب الخدع والأهداف الوهمية دورا رئيسيا في البحر أيضا. فقد تعلمت أوكرانيا إرسال أسراب من المسيرات البحرية الوهمية لتشتيت الدفاعات، تليها مسيرات هجومية تنفذ الضربة الحقيقية.
ووفقًا لاستخبارات الدفاع الأوكرانية، تسببت هذه المسيّرات البحرية في خسائر تقدر بـ 500 مليون دولار لأسطول البحر الأسود الروسي.
ويقول كيريتشينكو إنه يجب على الغرب أن يستوعب بسرعة هذه الدروس والتحولات في اقتصاديات الحرب، إذ باتت روسيا تستخدم أسرابا من الطائرات المسيرة الرخيصة التي تتطلب اعتراضها مقاتلات باهظة الثمن. وقال جريجوري فالكو، خبير الأنظمة الذاتية والأمن السيبراني في جامعة كورنيل، في مقابلة مع ذا ماريتايم إكزكيوتيف: “درجة تطور هذه التكنولوجيا ليست بأهمية حجمها وتكلفتها. فالتفوق في عدد الطائرات المسيّرة هو ما سيحسم الحروب.”
ومع مرور الوقت، تعلمت روسيا من إخفاقاتها وبدأت بتعزيز دفاعاتها حول الموانئ، خصوصا في القرم المحتلة. لكن الحرب أصبحت سباقا مستمرا، فكل إجراء مضاد يقابله إجراء مضاد له بسرعة. الأسلحة التي كانت تدوم لأشهر، لا تعيش اليوم سوى أيام أو أسابيع.
وقال صمويل بندت، الزميل البارز في مركز الأمن الأمريكي الجديد: “تستجيب هذه الدورات لمتطلبات الحرب بسرعة، فالأرقام الرسمية تتحدث عادة عن دورة ابتكار تستغرق من شهرين إلى ثلاثة قبل أن يصبح النظام عرضة لإجراءات مضادة”.
ولم تمر الاختراقات الأوكرانية دون أن يلحظها أحد. فروسيا، التي أُحرجت بخسائرها المتكررة، سارعت للحاق بالركب.
وأوضح بندت أن المطورين الروس “عادوا إلى لوحات التصميم لإعادة بناء مركباتهم السطحية غير المأهولة، حيث إن ما لا يقل عن نصف تصاميمهم الحالية تأثرت بزوارق أوكرانيا غير المأهولة التي بدأت كييف باستخدامها ضد أسطول البحر الأسود الروسي عام 2022.”
وفي البداية، واجهت روسيا صعوبة في نشر هذه الأنظمة. ووفقا لبندت: “في البداية، ربما أعاق نقص الأهداف عمليات نشر المركبات الروسية غير المأهولة، نظرا لأن أوكرانيا لم تكن تملك أصولا بحرية كبيرة يمكن مهاجمتها بالمقابل.”
لم يتوقف الابتكار الأوكراني عند حدود المسيرات البحرية المخصصة لمطاردة السفن الحربية. فقد تم تعديلها لتصبح حاملات لطائرات “إف بي في” المسيرة، تقود نفسها إلى مسافة قريبة من الساحل، ثم تطلق طائرات “إف بي في” صغيرة لضرب أهداف برية. وبحلول أوائل عام 2025، كانت أوكرانيا قد طوّرت هذه التقنية بالكامل، ونفّذت بها ضربات دمّرت نظام الدفاع الجوي الروسي بانتسير في منطقة خيرسون.
لكن روسيا بدأت مؤخرا فقط بتطبيق هذه الدروس. ففي أغسطس/آب 2025، أعلنت موسكو عن أول ضربة ناجحة بمركبة سطحية غير مأهولة، مدعية أن زورقا مسيّرا أغرق سفينة الاستطلاع سيمفيروبول قرب نهر الدانوب. وكانت الضربة رمزية أكثر منها حاسمة، نظرا لافتقار أوكرانيا إلى سفن كبيرة يمكن استهدافها بالمثل.
وفي أبريل/نيسان 2025، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطة توسّع بحري بقيمة 100 مليار دولار تمتد لعقد كامل، متعهدا بتحديث الأسطول الروسي بعد أن كشفت أوكرانيا العديد من نقاط ضعفه. كما بدأت موسكو بتجربة منصات أكثر طموحا، مثل كاتران، وهي حاملة طائرات مسيّرة بحرية مصممة لإطلاق عشرات طائرات “إف بي في” الانتحارية في مهمات يصل مداها إلى 200 كيلومتر.
أدى هذا السباق التكنولوجي في البحر الأسود إلى تسريع الانتقال نحو مستقبل الحرب الآلية. ومن الأمثلة على ذلك الطائرة المسيّرة البحرية الجديدة باراكودا، التي طوّرها اللواء 40 للدفاع الساحلي، وهي قارب متعدد المهام يمكن تزويده بقاذفات صواريخ أو قنابل، أو استخدامه لزرع الألغام عن بعد. كما تتضمن السفينة عناصر من الذكاء الاصطناعي تمنحها قدرا أكبر من الاستقلالية والتكيّف في ساحة المعركة.
وقال كوزان: “من المنطقي أن نفترض أن الطائرات المسيرة البحرية قد أصبحت تدمج بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما في وحداتها القتالية.”
وتعيد الأنظمة غير المأهولة تشكيل الحروب ليس فقط على اليابسة، بل في البحر أيضا. فقد أجبرت البحرية الأوكرانية المتطورة تقنيا أحد أكبر الأساطيل في العالم على الاختباء، مثبتة أن الابتكار وحرب اللا تماثل قادران على التفوق على القوى الكبرى.
ويختم كيريتشينكو بأن عصر البحرية الحذرة سيزداد عمقا مع انتشار الطائرات المسيرة الذاتية في ميادين القتال.

