عبدالجبار الخليوي – كاتب وروائي وصاحب العديد من الإصدارات الأدبية
مع الأسف يقولون عنهم “كبار السن، كأنما العمر عيبًا يستوجب التصنيف، وكأنهم خرجوا من دورة الحياة إلى هامشها، كلمة تُقال بجهالة، كأنها سطر في استمارة، لا قلبٌ نابض عاش الفصول كلها.
في حيٍّ قديمٍ ينام على أطراف المدينة، يجلس “أبوخالد” أمام بيته الطينيّ، على صندوق خشبي صغير، ينفض بعض الغبار عن مسبحته الصندل، كمن يراجع بعض ذكرياته، لم يكن كبيرًا في السن بقدر ما كان كبيرًا في التجربة، كبيرًا في الحنين، في الحكاية، في الصبر، وفي الرؤية للحياة.
حين مرّ به طفلٌ من الجيران، قال لأمه بصوتٍ عفوي:
– ماما، هذا من “كبار السن”، صح؟
ابتسم “أبوخالد”، وقال بهدوءٍ كالموج: لا يا صغيري، أنا من “كبار الحياة”.
ضحكت الأم، وظنتها دعابة منه، لكنها كانت هي الحقيقة كلها، جملة وتفصيلاً؛ فالكِبَر ليس في عدد السنوات، بل في اتساع القلب، وفي ما خبّأته الأيام بين السطور صفحاتها، من وجعٍ جميل، وأمل منتظر.
سألته نفسه بجرأة: لماذا نُسمّي الشبابَ شبابًا، ولا نقول عنهم “صغار السن”؟ لماذا نختزل دهورًا من الحبّ والتعب في كلمتين باردتين؟
أليس من الأجمل أن نقول: “الآباء الذين أثمرت أعمارهم” أو ”الذين نضجت أرواحهم”؟
ثم أغمض “أبوخالد” عينيه قليلاً، وتذكر الذين رحلوا، والذين انتظروا، والذين نسوا أسماءهم في الزحام، وقال بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه أحد: لسنا كبارًا في السن، نحن كبارٌ في الذاكرة.. والذاكرة لا تشيخ.

