﴿فَوَيلٌ لِلَّذينَ يَكتُبونَ الكِتابَ بِأَيديهِم ثُمَّ يَقولونَ هذا مِن عِندِ اللَّهِ لِيَشتَروا بِهِ ثَمَنًا قَليلًا فَوَيلٌ لَهُم مِمّا كَتَبَت أَيديهِم وَوَيلٌ لَهُم مِمّا يَكسِبونَ﴾ [البقرة: 79]
تمهيد
الحق لا يُعرَف بالأسماء ولا بالأمم، بل بالوحي الذي أنزله الله على أنبيائه. وما أرسل الله من رسولٍ إلا داعيًا إلى توحيده، مذكّرًا الناس بما فُطروا عليه من معرفة الخالق الواحد.
غير أنّ ما جرى بعد موسى وعيسى عليهما السلام كان انحرافًا عن هذا الأصل، حين بدّل الناس الكلمة عن مواضعها، فغيّروا اللغة التي نزل بها الوحي، ثم غيّروا معانيها، حتى ضاع التوحيد بين صيغٍ فلسفية وألفاظٍ دخيلة.
اللغة المفقودة: أين العبرية؟
لم تكن هناك لغة اسمها العبرية في زمن موسى عليه السلام، بل كانت لغة المصريين القدماء هي لغته التي نشأ عليها في قصر فرعون، ولغة الكنعانيين هي لسان الأرض التي عاش فيها بنو إسرائيل من بعده.
وما يُسمّى اليوم بالعبرية ليس إلا لهجة كنعانية آرامية أعيد تركيبها بعد القرون، ثم أُلبست لباس “اللغة المقدّسة” زورًا.
أما التوراة الأصلية، فقد نزلت بلسانٍ يفهمه موسى وقومه، لكن ما بين أيدينا اليوم نُقل وترجم عبر عصورٍ كثيرة، حتى غاب اللسان وضاع البيان، ودخلت الأيدي التي كتب الله عليها الوعيد: ﴿…فَوَيلٌ لِلَّذينَ يَكتُبونَ الكِتابَ بِأَيديهِم…﴾.
عيسى عليه السلام ولغة الوحي
جاء عيسى عليه السلام بلسانٍ آراميٍّ مبين، يخاطب به قومه من بني إسرائيل، مبشّرًا ومصحّحًا لما حرّفوه من الشريعة.
كان قوله واضحًا: عبادة الله وحده، والتوبة إليه، ونبذ الرياء والتعصّب. لم يقل إنه إله ولا ابن إله، بل شهد القرآن ببراءته يوم يُسأل:
﴿وَإِذ قالَ اللَّهُ يا عيسَى ابنَ مَريَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ اتَّخِذوني وَأُمِّيَ إِلهَينِ مِن دونِ اللَّهِ قالَ سُبحانَكَ ما يَكونُ لي أَن أَقولَ ما لَيسَ لي بِحَقٍّ…﴾ [المائدة: 116]
لكنّ الأناجيل التي كُتبت بعد رفعه بعقود طويلة لم تُكتب بلغته، بل باليونانية، لغة الفلسفة الوثنية في زمن الرومان. وهنا بدأ الانحراف الكبير: تحوّلت كلمات التوحيد إلى مصطلحات لاهوتية، وصارت الألفاظ القرآنية كالـ«روح» و«الابن» و«الملكوت» تُفسَّر بمعانٍ غريبة عن مقصود الأنبياء.
بولس وتحويل الرسالة إلى ديانة إمبراطورية
لم يكن بولس من الحواريين، ولم يرَ عيسى عليه السلام في حياته، بل زعم أنه رآه في رؤيا على طريق دمشق، وأنه أُرسل إلى الأمم.
وبين يديه تحوّلت الرسالة من دعوة إلى الله الواحد إلى عقيدة خلاصٍ على يد المصلوب.
استخدم بولس اللغة اليونانية ليتحدّث إلى العالم الروماني، فمزج بين وحي السماء وفلسفة البشر، وجعل الخلاص لا بالإيمان بالله وحده، بل بـ«الابن الذي افتدى الناس بدمه».
هكذا تأسّس ما يُعرف بالمسيحية البولسية، التي فرّقت بين الله وعبده، وبدّلت مفاهيم التوحيد بمفاهيم الفداء والوساطة.
ثمّ تبنّت الكنيسة الرومانية هذا المذهب لأنه يخدم سلطتها، حتى اجتمع مجمع نيقية سنة 325م بدعوة قسطنطين، فأقرّ أن المسيح «إله حق من إله حق، من جوهر الآب».
وكان آريوس في ذلك المجمع صوتَ الموحدين، يعلن أن الله واحد لا شريك له، وأن المسيح عبد الله ورسوله، فاتهموه بالهرطقة ونفوه، وهكذا أُقصي التوحيد من الكنيسة لتُعلن بداية عصر اللاهوت الإمبراطوري.
الوحي واللغة والحق
اللغة ليست وعاءً شكليًا للوحي، بل هي روحه ودلالته. حين تبدّلت اللغة تبدّل المعنى، وحين تبدّل المعنى ضاع الحق.
إن موسى كلّم الله بلسانٍ مصريٍّ وكنعاني، وعيسى بلّغ رسالته بلسانٍ آراميٍّ مبين، لكنّ بولس والكنيسة ترجما الوحي إلى اليونانية، ثم إلى اللاتينية، فغابت الحقيقة وراء الحروف.
ولذلك قال تعالى في القرآن الذي بقي محفوظًا بلسانه ﴿إِنَّ هذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى * صُحُفِ إِبراهيمَ وَموسى﴾ [الأعلى: 18-19]
فالوحي واحد، واللغة القرآنية هي التي جمعت معاني الكتب السابقة وبيّنت ما اختلف فيه الناس.
إشارة وجوديّة
حين تفقد الكلمة لغتها تفقد روحها، وحين يُترجَم الوحي تُترجَم الحقيقة معه.
لقد كان اللسان الإلهي هو جسر الوعي بين السماء والأرض، فإذا انهدم الجسر بقي الإنسان يتعبد لظلال الحروف.
فمن غاب عنه لسان الوحي، ضاع منه الصوت الأول الذي نادى به الله في كل زمان: أن اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا.
الخاتمة
الحقّ لا يُعرَف بالمؤسسات ولا بالمجامع، بل بنور الفطرة وكلمة الله التي لم تُحرَّف.
لقد جاء موسى بالتوحيد، وجاء عيسى بالتوحيد، ثم جاء محمد ﷺ ليعيد الوحي إلى صفائه الأول، ويختم النبوة بكتابٍ محفوظ اللسان والمعنى.
أما بولس، فقد جعل من الوحي لاهوتًا ومن الرسول إلهًا، فتحوّل الإيمان إلى فلسفة، والعقيدة إلى مؤسسة.
فمن أراد النجاة فليتبع ما قاله الله على لسان عيسى عليه السلام: أن اعبدوا الله ربكم وربه، فهو الطريق والحق والنور

