تمهيد
حين يتأمل المتدبّر في قصص الأنبياء يرى أن الله سبحانه لم يُخاطب عباده على نسقٍ واحد، بل بما يناسب عقولهم في كل طورٍ من أطوار البشرية.
فتدرّج الخطاب من الحسّ إلى الوعي، ومن المشاهدة إلى التدبّر، ومن الخضوع القهري إلى الإيمان الواعي.
وفي هذا التدرّج تظهر سنّة الله في تربية الإنسان، حتى اكتمل النضج العقلي والروحي في آخر الرسالات، فجعل الله الفاصل هو القرآن، المعجزة الباقية إلى يوم البعث.
نوح عليه السلام: أمرُ الماء
بدأت الرسالات في أمةٍ لا تعرف إلا الماديات، فكانت آيات الله محسوسةً تُدرك بالبصر.
وحين كذّب قوم نوح، لم يحتج الله إلى حُجّةٍ لغويةٍ أو مجادلةٍ عقلية، بل أمر الماء مباشرةً أن يفعل ﴿فَفَتَحنا أَبوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنهَمِرٍ * وَفَجَّرنا الأَرضَ عُيونًا فَالتَقَى الماءُ عَلى أَمرٍ قَد قُدِرَ﴾ [القمر: 11-12].
كانت هذه أولى الرسائل التي تُعلّم الإنسان أن الكون كلّه خاضع لأمر الله، وأن الطبيعة ليست فاعلةً بذاتها، بل مأمورة.
وهنا تتجلى الإشارة الوجوديّة الأولى: أن الإنسان في بدايات وعيه كان كالطفل الذي يحتاج إلى رؤية القدرة ليؤمن بوجودها، فخاطبه الله بما يرى لا بما يدرك، لأن العقل لم يكن بعدُ قد تفتح لفهم الغيب.
إبراهيم عليه السلام: أمرُ النار
ثم جاء إبراهيم عليه السلام، ليواجه عبادة الأصنام وقوة الملوك. لم يحتج إلى سيفٍ ولا إلى جند، بل أمر الله النار فقال ﴿قُلنا يا نارُ كوني بَردًا وَسَلامًا عَلى إِبراهيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
في هذا الحدث تحوّل الوعي من إدراك قوّة الطبيعة إلى إدراك أن الله هو الذي يأمرها ويقهرها.
فالنار التي هي رمز الفناء، صارت رمز السلام. وفي ذلك انتقال من الخوف من الطبيعة إلى الفهم لمُسخّرها.
هود وصالح ولوط: أوامر الريح والأرض والملائكة
وجاءت الأمم التالية فاستُخدمت عناصر الكون آياتٍ على قدر كفرها:
⁃ الريح في عاد: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهلِكوا بِريحٍ صَرصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6].
⁃ والصيحة في ثمود: ﴿وَأَخَذَ الَّذينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصبَحوا في دِيارِهِم جاثِمينَ﴾ [هود: 67].
⁃ والملائكة في قوم لوط إذ قُلبت الأرض عليهم.
كلها كانت آياتٍ مباشرةً من غير وسطاء، تُعلن أن الله إذا أراد شيئًا قال له: ﴿…كُن فَيَكونُ﴾ [غافر: 68].
وهنا يبرز الفرق بين الأمر الإلهي الذي لا يُردّ، والإرادة الإنسانية التي تُبتلى بالاختيار.
موسى عليه السلام: أمرٌ بيده
وفي عهد موسى عليه السلام بدأت مرحلة جديدة من الوعي الإيماني، إذ أذن الله لرسوله أن يُجري آياته بأمره، لا بشراكةٍ في الفعل بل بطاعةٍ في التنفيذ.
فالعصا لم تكن سحرًا، بل أداة مأمورة: ﴿قالَ أَلقِها يا موسى * فَأَلقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسعى﴾ [طه: 19-20]. وكذلك اليد والبحر والطوفان والضفادع والدم، كلّها كانت أدواتٍ لبيان أن الرسول لا يملك من الأمر شيئًا، وإنما يُظهر بأمر الله ما شاء له أن يُظهر.
وفي هذه المرحلة أصبح الإنسان أمام معجزاتٍ تُفكَّر بعقلٍ لا يُدهَش بعين، لأن المرسَل صار بشرًا يشهد الناس فعله ويسمعون قوله، فبدأت مرحلة اختبار الوعي الإنساني.
عيسى عليه السلام: بإذن الله
ثم ارتقى الخطاب الإلهي درجةً أخرى، فجعل الله أمره يُنفَّذ على يد عيسى بإذنه، فقال ﴿…أَنّي أَخلُقُ لَكُم مِنَ الطّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنفُخُ فيهِ فَيَكونُ طَيرًا بِإِذنِ اللَّهِ وَأُبرِئُ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَأُحيِي المَوتى بِإِذنِ اللَّهِ…﴾ [آل عمران: 49].
تكرار قوله تعالى بإذن الله تأكيد أن الفاعل واحد، وأن النبي لا يملك القدرة إلا بما يأذن الله.
تلك المعجزات كانت في زمنها، وذهبت بزمانها، ولم تبقَ إلا في القرآن، ليعرف اللاحقون أن الله وحده الفاعل، وأن رسله عباده المكرمون.
وهنا تتجلّى الإشارة الوجوديّة الثانية: كما ينفخ الله الروح في الجسد، أذن لعيسى أن ينفخ في الطين، فكان ذلك رمزًا لتحوّل المادة إلى حياة، كما تتحوّل المعرفة إلى وعي، وكأن المعجزة تمهيد لبعثة النبي الخاتم حيث يكتمل العقل الإنساني وتُنفخ فيه روح الفهم.
محمد ﷺ: المعجزة الخالدة
ثم خُتمت النبوات بمحمد ﷺ، فجعل الله معجزته كلمةً باقيةً لا تُرى ولا تزول، بل تُتلى وتُتدبّر.
لم يُعطه الله آيةً ماديةً لأن الإنسانية بلغت طور النضج العقلي، فكانت المعجزة هي القرآن.
قال تعالى: ﴿…قَد جاءَكُم مِنَ اللَّهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ﴾ [المائدة: 15]. وقال أيضًا: ﴿لَو أَنزَلنا هٰذَا القُرآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشيَةِ اللَّهِ…﴾ [الحشر: 21].
فالمعجزة هنا ليست في العين التي ترى، بل في القلب الذي يعقل. وما دامت آيات الله السابقة قد زالت بزوال أقوامها، فإن هذه الآية الباقية محفوظة بحفظه إلى يوم يُبعثون ﴿إِنّا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾ [الحجر: 9].
وهكذا اكتمل الوعي الإنساني، إذ لم يعد الإنسان ينتظر الأمر ليراه، بل صار مأمورًا أن يتفكر فيه، كما قال تعالى: ﴿سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ…﴾ [فصلت: 53]. فالقرآن هو نفخة الوعي الكبرى التي أحيا الله بها عقول البشر بعد موتها.
خاتمة
من نوحٍ إلى محمد، سار الوحي في خطٍّ متصاعدٍ نحو الوعي، فكان التدرّج سنّة الله في تربية الإنسان:
⁃ أمر الماء في الطوفان ليعلّمه الخضوع.
⁃ وأمر النار ليعلّمه التسليم.
⁃ وأمر الريح والصيحة ليعلّمه العاقبة.
⁃ وأمر النبي بالآية ليعلّمه الطاعة.
⁃ وأمر العقل بالقرآن ليعلّمه الاختيار.
وبذلك انتقل الإنسان من زمن الخوف إلى زمن الفهم، ومن زمن المعجزة إلى زمن الوعي، ليُصبح الإيمان قائمًا على التدبّر لا على الانبهار، كما قال تعالى ﴿…إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَعقِلونَ﴾ [الروم: 24].

