لا تتخيلها قطرات ماء، بل كتل عملاقة من البلازما فائقة السخونة تتكثف في سماء الشمس ثم تنهال عائدة إلى سطحها الملتهب.
إنها ظاهرة “المطر الشمسي” العجيبة التي حيرت علماء الفلك لعقود، ليس بسبب وجودها، بل بسبب لغز تشكلها السريع والمفاجئ الذي تحدى كل النماذج العلمية السابقة. واليوم، أعلن فريق من الباحثين في جامعة هاواي أنهم كشفوا السر أخيرًا.
كانت المشكلة تكمن في أن كل المحاكاة الحاسوبية السابقة للشمس تعاملت مع غلافها الجوي الخارجي على أنه مزيج كيميائي ثابت ومتجانس، وهو افتراض تبين الآن أنه كان يُغفل الجزء الأهم من القصة.
وكما قال لوك بينافيتز، طالب الدراسات العليا وأحد المشاركين في البحث: “تفترض النماذج الحالية أن توزيع العناصر المختلفة في الإكليل الشمسي ثابت، وهو ما يتضح أنه ليس كذلك”.
الاكتشاف الثوري جاء عندما قام الفريق بتحديث أداة محاكاة متخصصة تُدعى “HYDRAD”، وأضافوا إليها معادلة جديدة تسمح للعناصر الكيميائية، مثل الحديد، بالتحرك والتغير داخل الغلاف الشمسي. وهنا، تكشفت القصة الحقيقية أمام أعينهم.
ما يحدث، ببساطة مذهلة، هو التالي: عندما ترتفع البلازما الساخنة من الطبقات السفلى للشمس عبر الحلقات المغناطيسية العملاقة، يتركز مزيج معين من العناصر الثقيلة في قمة الحلقة.
هذا التركيز العالي يعمل كـ “مُبرّد فائق الكفاءة”، حيث يتسبب في فقدان هائل للطاقة عبر الإشعاع. ونتيجة لهذا التبريد المفاجئ، تتكثف البلازما بسرعة وتتحول إلى كتل أثقل تهطل عائدة كـ “مطر شمسي”.
ولم يكن هذا مجرد نجاح نظري، بل تطابقت نتائج المحاكاة الجديدة مع الأرصاد الفعلية من مرصد “Hinode” الفضائي، الذي أظهر أن “البصمة الكيميائية” للمطر الشمسي في الواقع هي نفسها التي توقعها النموذج المطور.
ويعلق بينافيتز بحماس: “إنه لأمر مثير أن نرى الفيزياء تنبض بالحياة بطريقة تبدو حقيقية عندما نسمح لعناصر مثل الحديد بالتغير”.
هذا الاكتشاف لا يحل لغزًا قديمًا فحسب، بل قد يقلب فهمنا للشمس رأسًا على عقب.
يقول جيفري ريب، المؤلف المشارك في الدراسة: “قد نضطر للعودة إلى لوحة الرسم فيما يتعلق بكيفية تسخين الإكليل الشمسي، لقد بالغنا في تقدير وقت التبريد على الأرجح. هناك الكثير من العمل الجديد والمثير الذي يتعين علينا القيام به”.

