الإعلامي حسن عسيري
في لحظة واحدة، يُصبح العالم باهتًا.
صوت الأب الذي كان يملأ المكان هيبةً وحنانًا، وصدى الأم الذي كان يسكب على الحياة دفئًا لا يُعوّض، كلاهما يغيب، ويبقى القلب وحيدًا أمام فاجعة لا يجيد العقل تفسيرها.
إنها فاجعة الفقد التي لا تمر كما تمر بقية الأحداث، بل تسكن تفاصيلنا إلى الأبد.
مؤخرًا، أثار الدكتور طارق الحبيب، استشاري الطب النفسي المعروف، جدلًا واسعًا حين تحدث قائلًا:
“أصعب ما مرّ عليّ لم يكن فقد والديّ، بل خصم درجة في الامتحان.
توفي أبي يوم الخميس فداومت في اليوم نفسه، وتوفيت أمي، وفي الغد اشتريت أرضًا.
هكذا أنا… أتعامل مع الفقد كما بُرمجت.”
كلمات الطبيب كانت كفيلة بإشعال عاصفة من ردود الفعل، بين من رأى فيها قسوة وجفافًا إنسانيًا، ومن فسّرها بأنها رؤية علمية لآلية التكيف النفسي مع الصدمات.
لكن يبقى السؤال: هل يمكن حقًا أن تُبرمج المشاعر؟ وهل في وسع الإنسان أن يتعامل مع رحيل والديه ببرود أو انضباط عاطفي مبرمج؟
الفقد لا يُبرمج
الفقد ليس تجربة ذهنية تُدار بالعقل، بل زلزالٌ يضرب أعماق القلب.
قد نحاول أن نظهر التماسك، وقد نمارس أعمالنا بعد الجنازة بساعات، لكن الحزن لا يغادرنا، بل يُقيم فينا بهدوء، ويطل كلما مرّ طيف الأم في الذاكرة أو عادت رائحة الأب في مجلس فارغ.
إن قوة الإنسان لا تعني جمود مشاعره، والقدرة على التكيف لا تُلغي الدموع التي تسكن الأعماق.
من الطبيعي أن يختلف الناس في طريقة التعبير عن الحزن، لكن غير الطبيعي أن نختزل الفقد الإنساني العظيم في كلمة “برمجة”.
بين الطب والمشاعر
من زاوية علم النفس، قد يرى الدكتور الحبيب أن السيطرة على الانفعال تعني نضجًا عاطفيًا وقدرة على إدارة الصدمات دون انهيار.
لكن من زاوية الإنسان البسيط، الذي عاش حبّ والديه بكل دفء وتضحيات، فإن هذا الفقد ليس مجرد حدث نفسي… بل فصل مؤلم من الحنين لا ينتهي.
ختامًا
قد نختلف في تفسيرنا للفقد، لكننا نتفق جميعًا على أن الأب والأم هما أغلى ما في الوجود، وأن موتهما يترك فراغًا لا تملؤه الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لهما بعد الرحيل هو الدعاء، وصلة الرحِم، والحديث عنهما بكل حب وامتنان.
رحم الله من رحلوا ولم يرحل أثرهم،
ورحم الله كل أب وأم غابا عن الدنيا وبقيا في قلوبنا للأبد.

