تتجه الأنظار في واشنطن والرياض إلى الزيارة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والتي تُعدّ محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية الممتدة لتسعة عقود.
بعد سنوات من التحولات الجيوسياسية وتغيّر خرائط النفوذ العالمي، تعود السعودية وأمريكا اليوم إلى صياغة إطار شراكة أوسع، يتجاوز التعاون التقليدي ليشمل مجالات تُعيد تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي: الطاقة النووية، المعادن الحيوية، الذكاء الاصطناعي، والدفاع.
الاتفاقيات المزمع توقيعها خلال الزيارة تحمل بعداً استراتيجياً يعزز حضور المملكة كقوة صاعدة في الاقتصاد العالمي، ويؤسس لشراكة طويلة المدى مع الولايات المتحدة تقوم على المصالح المتبادلة، واستقرار المنطقة، وضمان أمن سلاسل الإمداد العالمية.
ويمثّل اكتمال المفاوضات حول اتفاقية التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية خطوة محورية في مشروع سعودي يهدف منذ سنوات إلى دخول عصر الطاقة النووية المدنية. فالاتفاقية تسمح بنقل التقنيات النووية الأمريكية المتقدمة إلى المملكة، بما في ذلك تصميم محطات الطاقة النووية وتشغيلها، في إطار التزام واضح بمعايير الأمان الدولية.
كما تفتح الاتفاقية الباب أمام الشركات الأمريكية للمشاركة في مشروعات نووية داخل المملكة، بما يخلق فرص عمل نوعية، ويجذب استثمارات ضخمة في سلسلة من العقود الممتدة لعقود.
وتأتي هذه الخطوة امتداداً لما نصّت عليه وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية التي وقعها الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترمب في قمة الرياض عام 2025، والتي ربطت بين التطور الصناعي السعودي والخبرة التقنية الأمريكية.
المعادن الحرجة.. السعودية تضع نفسها في مركز سلاسل الإمداد العالمية
التحوّل الكبير الذي يشهده قطاع التعدين السعودي يشكّل الخلفية الأساسية لتوقيع الإطار الاستراتيجي لتأمين سلاسل الإمداد المتعلقة باليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة والمعادن الحرجة. وتمثّل هذه الاتفاقية اعترافاً أمريكياً رسمياً بالدور السعودي المتنامي في توفير مواد أصبحت عصب الصناعات الحديثة من الهواتف الذكية إلى المركبات الكهربائية.
المملكة كشفت خلال السنوات الأخيرة عن زيادات هائلة في ثروتها المعدنية، قُدّرت بنحو 90% لتصل إلى 2.5 تريليون دولار، ما أعاد رسم الخريطة التعدينية في المنطقة. وتشمل الاكتشافات الجديدة معادن نادرة وحرجة، إضافة إلى خامات الفوسفات والنحاس والزنك والذهب.
ويهدف الإطار الجديد إلى تحويل السعودية إلى مركز عالمي لمعالجة المعادن النادرة وصناعة المغانط الدائمة، مع تعزيز دور القطاع الخاص في البلدين عبر عقود شراء طويلة الأجل، وتعاون بحثي وتقني، وبرامج متقدمة لبناء القدرات البشرية.
وتتسق هذه الخطوات مع أهداف رؤية 2030 التي تريد لقطاع التعدين أن يكون الركيزة الثالثة للاقتصاد السعودي بعد الطاقة والصناعة، من خلال جذب استثمارات دولية أوسع، واستغلال الموارد الطبيعية وتحويلها إلى صناعات ذات قيمة مضافة.
الذكاء الاصطناعي.. السعودية تتهيأ لتكون مركزاً عالمياً للبيانات الضخمة
تتجه الشراكة السعودية – الأمريكية في الذكاء الاصطناعي لتشكيل إحدى أكثر ملفات الزيارة حساسية في ظل سباق عالمي محموم على مراكز البيانات والنماذج اللغوية العملاقة. وتُعد الولايات المتحدة الشريك الأقدر على دعم صعود السعودية كقوة رقمية إقليمية وعالمية.
ويعتمد هذا التعاون على ما تمتلكه المملكة من مزايا نسبية: وفرة الأراضي المناسبة لبناء مراكز بيانات فائقة السعة، قوتها في مجال الطاقة، ووجود أكثر من 400 ألف متخصص في القطاع التقني، بعد نموّ الاقتصاد الرقمي إلى 132 مليار دولار في عام 2024—بزيادة بلغت 66% عن 2018.
وستسهم الاتفاقية في تحويل المملكة إلى محور رئيسي لخدمات الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبناء نماذج لغوية عربية تخدم أكثر من 400 مليون نسمة، إضافة إلى خلق آلاف الوظائف الجديدة في القطاعات الصحية والتعليمية والطاقة والخدمات الحكومية.
كما تعكس هذه الشراكة سنوات من التعاون بين الشركات الأمريكية والمملكة في بناء المواهب، من خلال برامج أكاديمية قدمتها شركات كبرى مثل “أبل” و”جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت”.
فصل جديد في التعاون الدفاعي.. اتفاقية تؤسس لردع طويل المدى
في جانب الدفاع، يمثّل توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس ترمب تحوّلاً نوعياً في مسار التحالف الأمني بين البلدين. فالسعودية والولايات المتحدة تربطهما علاقات أمنية تمتد لتسعة عقود، لكن الاتفاقية الجديدة تضع هذه العلاقة في إطار مؤسسي طويل المدى، بما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
الاتفاقية تُرسّخ الشراكة الدفاعية، وتفتح باباً واسعاً أمام تطوير الصناعات العسكرية السعودية، وتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي للتصنيع والصيانة. كما ستنعكس على خلق وظائف في السوق الأمريكية نتيجة العقود الدفاعية المشتركة.
وتوضح بنود الاتفاقية أن هدفها الأساسي هو تعزيز الأمن والسلم الدوليين، وأنها ليست موجّهة ضد أي دولة، بل تؤسس لنهج يقوم على الردع والدبلوماسية في الوقت نفسه، بما يتسق مع رؤية المملكة للحفاظ على استقرار المنطقة.

