المستشار الإعلامي/ عوض بن صليم (باحث دكتوراه – إعلام أمني)
بحثت في قواميس الأدب، فوجدت أن كل فضيلة تقع بين قبيحتين.. ففضيلة الكرم تقع بين قبيحة البخل وقبيحة الإسراف، وفضيلة الشجاعة تقع بين قبيحة الجبن وقبيحة الهياط، إن صح التعبير.
ولكن في مجتمعنا، نجد أساليب وتماثيل للهياط الاجتماعي، والهدف هو نيل الشهرة دون جهد أو تعب.
*فنجد أن بعض الناس يقررون إقامة برنامج تكريم لهم (بقرض بنكي) من الطرفين، والهدف من ذلك إبراز المكارم للمكرم الذي دفع نصف التكاليف سرًّا، ولقب بالشيخ المزعوم، بينما دفع النصف الآخر الشيخ المضيف، الذي يظهر صورياً، وقد يكون بتوجيه من الطرف المحتفى به إن كان ميسورًا. ويُعد البرنامج التكريمي وتُهدى سيارات صورية، والتي قد تعود ملكيتها لمكاتب تأجير، وقد يُضطرون لإزالة لوحات السيارات حتى لا يُكتشف أمرهم، وتقوم القنوات الشعبية بتغطية الحفل، ما شجع على مثل هذه السلبيات في مجتمعنا. وتتم فقرات الحفل بسلاسة، ويشارك فيه أشخاص جادون دفعوا الهدايا والنفعات للمحتفى به، ليكون الهدف الأول إعلان الشهرة وكسب هدايا غير مشروعة من شيوخ القبائل وأعيانهم.
*هياط آخر لا يقل أهمية عما سبق: فنجد شخصًا يجيد موهبة معينة، ويُوزّع فجأة دعوات لإعلان زواجه، وقد لا يمر على زواجه السابق سوى أشهر قليلة، ويتوج الدعوة بحضور مراسم زواجه أعيان من دول الخليج والعرب والتركمان، إذا وُجد، ليقوم بدوره البطولي وشحذ همم شيوخ القبائل وأعيانهم لتكريمه في حفل الزواج. وقد يتطور الأمر إلى إهداء سيارات كما أسلفت، تعود ملكيتها لمكاتب تأجير تُسلم الساعة 12 ظهرًا من اليوم التالي. وقد يكون الزواج هذا صوريًا (بدون زوجة) أو لا يلبث معه يومًا، إذ الهدف ليس الزواج أصلاً. وبعد أن نال شهرته بتغطيات إعلامية شعبية، قد يغيب عن الساحة إلى الأبد، أو قد يعود بسيارة فارهة وقصر من النفعات التي قدّمها للناس، على حد قوله.
*هياط آخر حديث: التعرف على شخص من قبيلة أخرى يجيد الكلام بصوت جهوري، بهدف: «امدحني عند ربعي وامدحك عند ربعك». يأتون سوية في مجالس ربعهم أو مجالس قبائل أخرى، للإفراط بالمدح بينهم، لكسب الشهرة، مع أن هذا الرجل هو الذي رفع المجد بيده ولم يعلم أن المجد يُكتسب وداً وفعلًا. ويحاول كل منهم مدح الآخر، وقد يتخوفون من نشر خلافهم، لأن تشهيرهم مرتبط بمستقبلهم المدحي.
*هياط يدمنه صغار السن المقبلون على الزواج، وهدفه كسب الصفوف في أعراسهم ليثيروا الإعجاب بين ربوعهم: «أتوني في زواجي» (نيف وخمسون مدقال)، وتُهدي جمال وأسلحة تُعاد سرًّا في زواج آخر لا يعلم بها أحد، وقد يكون أكثرهم ساكني المناطق (درباوية)، وتتضح نواياهم عند زواج أحد زملائهم من الفقراء أو من خارج مناطقهم، لأنهم يعرفون أن القعود والسلاح والعطايا قد لا تُرد، فلا يحبون التعامل معهم لعدم كشف لعبتهم.
وما زلنا نترقب هياطًا آخر في مجتمعنا، حسب الظروف القادمة والمحيطة المناسبة لإظهار النفس.
إلى كل من هايط أو يريد أن يهايط، أقول:
أخي، استقم في حياتك وأعمالك، وستجد من يمدحك دون تكلف.

