كتب: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
تُعدّ تأكيدات المملكة العربية السعودية في قمة العشرين بجوهانسبرغ جزءًا من استراتيجية سياسية واقتصادية عالمية متكاملة، تهدف إلى تعظيم دورها داخل منظومة العشرين وتعزيز مكانتها كقوة محورية في النظام العالمي الجديد. ويمكن تحليل هذا التوجه من خلال عدة أبعاد، من أبرزها تكريس السعودية كصوت لدول الجنوب، كونها تمثل جسرًا بين الدول المتقدمة والدول النامية، وتسعى لتقريب الفجوة بين الاقتصادات العالمية من خلال دعم الشمولية وتيسير تدفقات التنمية والابتكار في الجنوب العالمي.
تطوير المخرجات العالمية
ومثّل السعودية في القمة التي انعقدت في جوهانسبرغ نيابةً عن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية، الذي أشاد في كلمته خلال الجلسة برئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين وجهودها المتميزة في تطوير المخرجات الاستراتيجية لهذا العام، والتي أسهمت في البناء على ما تحقق من منجزات، ومهّدت لمواصلة التقدم في معالجة التحديات التي تواجه العديد من الدول الأعضاء.
تحوّل من “مُصدّر للنفط” إلى “شريك تنموي عالمي”
وفي ظل رؤية 2030، لم تعد المملكة تركز فقط على الطاقة، بل باتت تروّج لاقتصاد متنوع ومرن، وتعمل على تصدير الحلول التنموية والخبرات في التكنولوجيا والتمويل الأخضر والبنية التحتية الذكية.
تعزيز مكانة المملكة في صياغة مستقبل الاقتصاد
وعبر دعم السعودية لمبادرات مثل التمويل الأخضر، والتحول الرقمي، وتمكين المرأة والشباب، فإنها تعيد تعريف دورها ليس كمشارك فحسب، بل كمؤثر في قرارات قمة العشرين.
التوازن بين المصالح والمسؤوليات العالمية
والرسائل السعودية التي أرسلتها في القمة تعكس التزامًا بالمواءمة بين مصالحها التنموية الداخلية ومسؤولياتها تجاه النظام الدولي والبيئة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
دبلوماسية الفرص لا دبلوماسية الأزمات
وتتحرك السعودية نحو “دبلوماسية اقتصادية إيجابية” تركز على بناء الشراكات وإدارة الأزمات، ما يمنحها مساحة أوسع للتأثير الاستراتيجي داخل تكتلات مثل قمة مجموعة الـG20 وتكتل بريكس.
الخلاصة:
تعزيز النظام العالمي
تؤكد السعودية من خلال مشاركتها الفاعلة في قمة العشرين أنها لا تكتفي بلعب دورٍ في النظام العالمي، بل تسعى لتشكيله أيضًا عبر تقديم نموذج تنموي قائم على الاستدامة والتوازن والشراكات الاستراتيجية، ما يجعلها ركيزة من ركائز المستقبل الاقتصادي العالمي.
مواجهة الانقسامات الجيوسياسية
وشدد قادة مجموعة العشرين المجتمعون في جنوب أفريقيا على أهمية التعددية، وذلك في خضم سعيهم للتكيف مع نظام عالمي متغير على وقع سياسات التفرّد الأميركية والحروب وتفاقم الانقسامات الجيوسياسية.
وافتُتِحَت في جوهانسبرغ أول قمة لمجموعة العشرين تُعقد على أرض أفريقية، وسط غياب لافت للولايات المتحدة بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاطعة الاجتماعات بالكامل، في خطوة غير مسبوقة تعكس توترًا سياسيًا عميقًا مع الدولة المضيفة، جنوب أفريقيا، واتساع الهوة بين واشنطن وبقية الاقتصادات الكبرى بشأن ملفات المناخ والتنمية.
وبوصفها الدولة المضيفة، وضعت جنوب أفريقيا جدول أعمال ركز على أربعة محاور رئيسية، هي: مضاعفة التمويل الموجه لدعم الدول الفقيرة في مواجهة الكوارث المناخية، وخفض أعباء الديون على الاقتصادات النامية، وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، فضلًا عن ضمان استفادة الدول الأفريقية من ثرواتها من المعادن الحيوية.
وتتجه رئاسة مجموعة العشرين بعيدًا عن دول الجنوب العالمي خلال تولّي الولايات المتحدة الرئاسة حتى أواخر 2026. وسلّمت جنوب أفريقيا رئاسة المجموعة لواشنطن، منهية سلسلة من أربع رئاسات متتالية لاقتصادات ناشئة شملت إندونيسيا والهند والبرازيل، وهي فترة ارتفعت خلالها أهمية ملف استدامة الديون في الدول النامية على نحو غير مسبوق.

