بينما كانت الولايات المتحدة تحتفل اليوم الخميس بعيد الشكر، كان أول “بابا أمريكي” في تاريخ الفاتيكان، ليو الرابع عشر، يتناول “فطيرة اليقطين” على متن الطائرة البابوية، لكن وجهته لم تكن احتفالية؛ وإنما نحو قلب الشرق الأوسط، حاملًا تحذيرًا وصفه المراقبون بالأكثر قتامة: “مستقبل البشرية في خطر”.
في أول رحلة خارجية له منذ انتخابه في مايو الماضي، اختار البابا ليو (70 عامًا) تركيا، الدولة ذات الغالبية المسلمة، لتكون منصة إطلاق رسالته الأولى، كاسرًا التقاليد ليس فقط في الوجهة، بل في اللغة أيضًا، حيث قرر إلقاء خطاباته باللغة الإنجليزية بدلًا من الإيطالية المعتادة.
“حرب عالمية بالتقسيط”
فور وصوله القصر الرئاسي في أنقرة ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يستخدم البابا ليو الديبلوماسية الناعمة المعتادة. حذر بوضوح من أن العالم يشهد “عددًا غير عادي من الصراعات الدامية”، مشيرًا إلى أن حربًا عالمية ثالثة تجري محاربتها حاليًا “بالتقسيط” (piecemeal)، تغذيها استراتيجيات القوة العسكرية والاقتصادية.
وقال البابا بلهجة حاسمة: “لا يجب أن نستسلم لهذا بأي شكل… الطموحات والخيارات التي تدوس العدالة والسلام تزعزع استقرار العالم”.
ومن جانبه، رحب أردوغان بموقف البابا الذي وصفه بـ “الذكي” تجاه القضية الفلسطينية، آملًا أن تكون الزيارة مفيدة للبشرية في وقت يسوده التوتر، خاصة في ظل الأوضاع في غزة وأوكرانيا.
لماذا تركيا؟
اختيار تركيا لم يكن عشوائيًا، فالزيارة تتزامن مع الذكرى الـ 1700 لمجمع “نيقية” الكنسي، الذي صاغ “قانون الإيمان” الذي لا يزال يوحد معظم مسيحيي العالم. ورغم أن المسيحيين يشكلون أقل من 1% من سكان تركيا اليوم، إلا أن البابا يسعى لبناء الجسور مع العالم الإسلامي ومع البطريرك برثلماوس، الزعيم الروحي للأرثوذكس، الذي سيلتقيه في إسطنبول.
محطات قادمة وتحديات
الجدول الزمني للزيارة مزدحم وحساس. فبعد تركيا، سيتوجه البابا ليو إلى لبنان، في رحلة يسعى من خلالها لملء الفراغ الذي تركه سلفه البابا فرانسيس، الذي منعته حالته الصحية المتدهورة من إتمام هذه الزيارة سابقًا.
وفيما يرى خبراء مثل ماسيمو فاجيولي أن هذه الرحلة هي “الفرصة الكبرى الأولى” للبابا الأمريكي لتوضيح رؤيته الجيوسياسية، يشير آخرون إلى أن التأثير الداخلي للزيارة في تركيا قد يكون محدودًا بسبب انشغال أنقرة بأزماتها الاقتصادية والملفات الأمنية المعقدة في سوريا ومع الانفصاليين الأكراد.

