فهيم بن حامد الحامد محلل استراتيجي
تكتسب الممرات العالمية أهميتها من الطبيعة الجغرافية للكوكب الذي نعيش عليه خصوصا أن الطبيعة الجغرافية تجعل من الممرات البحرية والبرية شرايين لنقل الطاقة، والسلع، والثقافة، ما يمنح أي دولة تسيطر أو تساهم في إدارتها نفوذًا دوليًا متزايدًا.
شرايين الاقتصاد العالمي
وتمثل الممرات العالمية – البحرية، البرية– شرايين الاقتصاد العالمي، وتكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التحولات الجيوسياسية والتجارية وفتح مزيد من مسارات سلاسل الامدادات. وهنا تبرز أوجه أهميتها كون التحكم بالممرات أو المشاركة في إدارتها يمنح الدول أوراق ضغط سياسية واقتصادية .
وتعد مبادرة الحزام والطريق الصينية من أعظم واهم هذه المبادرات في العالم واضحت أداة للسياسة الداخلية والخارجية الصينية على المستوى الإقليمي والعالمي. وقدم هذه المبادرة الرئيس شي جين بينغ عام 2013 متبعًا مفهوم طريق الحرير كاستراتيجية تنمية تهدف إلى تعزيز ربط البنية التحتية في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.
إعادة تشكيل النظام العالمي
كما تعد المبادرة إحدى أبرز أدوات الصين لإعادة تشكيل النظام التجاري والاقتصادي العالمي بما يخدم مصالحها الجيوسياسية على المدى الطويل.
وتستمد المبادرة زخمها من الجغرافيا السياسية، حيث تسعى إلى استثمار الموقع الاستراتيجي للممرات البحرية والبرية لربط الصين بالعالم، خصوصًا عبر آسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وصولاً إلى أوروبا.
الأبعاد الجغرافية
وتركيز الصين على “طريق الحرير البحري “يبرز وعيها بأهمية الملاحة في المحيط الهندي وبحر العرب كممرات استراتيجية تتحكم بتدفق التجارة العالمية.
وتستهدف المبادرة إنشاء بنية تحتية ضخمة (طرق، سكك حديدية، موانئ)، مما يُمكّن الصين من فتح أسواق جديدة لصادراتها، وتأمين تدفق سلس لمواردها الطبيعية.
كما تُعزز المبادرة من مكانة الشركات الصينية في مجالات المقاولات، والتمويل، والطاقة في الدول الشريكة.
وتمثل المبادرة وسيلة “كقوة ناعمة” لبكين لبناء شبكة من العلاقات والاعتماد المتبادل، تُخفف من الضغط الغربي، وتخلق بدائل للنظام الليبرالي التقليدي.
دبلوماسية الديون
ويعتبرها البعض وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي الصيني في الدول النامية عبر “دبلوماسية الديون” التي تمنحها قدرة على التأثير في القرارات السيادية لتلك الدول.
العلاقة بالشرق الأوسط
وتنظر دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، للمبادرة كفرصة استراتيجية لتعزيز شراكاتها مع الصين ضمن رؤية تنموية تتقاطع مع رؤية السعودية 2030.
والمبادرة توفّر للدول العربية آفاقًا في تطوير الموانئ، والمناطق اللوجستية، وشبكات الربط، ما يعزز دورها كمفاصل لوجستية عالمية.
خشية الغرب وأمريكا
ويخشى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يكون الهدف الرئيسي لمبادرة الحزام والطريق هو تعزيز نفوذ الصين على الاقتصاد العالمي وملاحقة مصالحها الخاصة فقط
طريق الحرير البحري في القرن الحادي والعشرين هو عنصر مهم في مبادرة الحزام والطريق، وهناك أربعة مسارات بحرية ضمن مبادرة الحزام والطريق والتي توصف بأنها ممرات اقتصادية زرقاء.
ويُعد طريق الحرير البحري بمثابة أداة لتعزيز مجموعة من المصالح الصينية الأساسية، بما في ذلك تنمية الاقتصاد الأزرق الصيني الذي تزيد قيمته على 1.2 تريليون دولار أمريكي، وتحسين الأمن الغذائي والطاقة، وتنويع وتأمين خطوط المواصلات البحرية، والحفاظ على السيادة الإقليمية، وتعزيز قوتها في الخطاب الدولي.
ولا يقتصر تنفيذ الصين لخططها ورؤيتها الاقتصادية الطموحة في سياسة الانفتاح على العالم تحت مبادرة الحزام والطريق على اليابسة فقط، لطالما كانت البحار والمحيطات تعتبر جسراً للتعاون الاقتصادي، لكنها أصبحت في العقود الأخيرة طرقًا مهمة بشكل خاص للتجارة
مشروع عابرًا للقارات
ومبادرة الحزام والطريق تعتبر مشروعًا صينيًا عابرًا للقارات يعكس الطموح لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. وهو ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل استراتيجية شاملة لإعادة صياغة النفوذ الدولي باستخدام أدوات الاقتصاد، والممرات الجغرافية، والربط الحضاري بين الأمم.
أداة جيوسياسية
والدول الكبرى تتنافس اليوم على النفوذ في هذه الممرات أكثر من أي وقت مضى وتسهم الممرات في ربط الأسواق الإقليمية، وتنشيط التبادل التجاري بين الدول المتجاورة، ودعم التنوع الاقتصادي.
والممرات العالمية ليست فقط معابر جغرافية بل مفاتيح قوة اقتصادية ونفوذ سياسي. والدول التي تتبنى استراتيجيات ذكية للاستفادة منها، تصبح مراكز جذب للاستثمار، ومفاتيح للتحول في موازين القوى الدولية.

