د. محمد العرب
قبل أن نبدأ هذا المقال، لا بد من الاعتذار الصريح من الأسد الحقيقي، ملك الغابة الذي لم يؤذِ وطناً، ولم يسحق شعباً، ولم يقصف مدينة، ولم يحوّل بلده إلى ركام….!
يا أيها الأسد الذي تمشي بكبرياء طبيعي صنعته الغريزة وسنن الحياة… سامحنا لأن اسمك تلطّخ ظلماً، واقتُطع منك لقبٌ حاول بشرٌ أن يرتديه بلا مخالب، بلا قوة، بلا شرف، وبلا هيبة، إن كانت الحيوانات تنطق، لكانت أول من اشتكى من الإساءة التي لحقت بها حين وُضع اسمها في غير موضعه.
عذراً أيها الأسد، لأننا نتحدث الآن عن رجلٍ لا يشبهك، ولا يشبه حتى ظلك، عن كائنٍ صنع مأساة وطن، وحوّل الخراب إلى سياسة، والدمار إلى إنجاز، والقتل إلى (سيادة) والخيبة إلى نكتة يتبادلها مع مستشارته في جلسات تم تسجيلها، ثم تسرّبت لتكشف ما هو أعمق من مجرد فضيحة: تكشف عقلية كاملة، طريقة تفكير، وسلوك حاكم يرى بلاده مجرد صفحة في دفتر ملاحظاته، يسجل عليها ما يشاء، ويمسح ما يشاء، ويضحك متى يشاء، حتى لو كان ضحكه على جثث شعبه.
في تلك التسريبات، ظهر بشار الأسد كما لم يظهر من قبل: ليس طبيباً، ولا رئيساً، ولا قائداً، بل نسخة مرتبكة من موظف يعيش في عالمه الخاص، يسخر من مناطق دمّرها، يستهزئ بأناس شُرّدوا، ويتعامل مع المأساة السورية كما لو كانت مادة للضحك. ظهر رجل لا يرى في بلده إلا مساحة لاختبار الكلمات الثقيلة، والضحكات الباردة، والتعليقات التي لا تشبه لا التاريخ ولا الأخلاق. ظهر بلا قناع، بلا تزييف، بلا الماكياج السياسي الذي اعتاد أن يضعه أمام الكاميرات.
المشهد بحد ذاته يهين مفهوم القيادة، فالقائد الذي يتحدث عن الجنود بتهكم، وعن المدن المحترقة بلغة ضاحكة، وعن شعبه كأنهم عالة على مجده الورقي، ليس قائداً؛ بل حالة سياسية شاذة وصلت للسلطة بدبابة، وتشبثت بها بخراب، وعاشت على فتات خطاب متشنج لا يليق حتى برجل عادي، فكيف برئيس دولة. أيُّ نفسٍ هذه التي ترى وطناً ينزف ثم تسخر منه؟ أي عقلٍ هذا الذي يعتقد أن السلطة يمكن أن تُحمى بالسخرية بدل الإصلاح؟ وأي قلب هذا الذي يسمع صرخات المدن ولا يسمع إلا صدى صوته في الغرفة؟
ولونا الشبل في هذه القصة ليست تفصيلاً، بل مرآة…!
كانت صديقة النظام، وواجهة خطابه، وطبقة الورنيش التي تغطي تشققات الصورة. ومع ذلك، حين جلسا معاً، ظهر الجوهر: عقلية ازدراء، لغة تافهة، غياب رؤية، وتفاهة سياسية لا تحتاج إلى تحليلات معقدة. من المؤلم أن نرى السفاح يستخدم لغة لا يستخدمها سوى الصغار حين يتحدثون عن الكبار. من المحزن أن يظهر الطاغية وكأنه معلق ساخر في غرفة دردشة، وليس رجلاً كان يدير بلد تتناثر أطرافه بين الخراب والتهجير.
المؤلم أكثر أن المشهد لم يفاجئ أحداً، العالم كان ينتظر فقط اللحظة التي يتكشف فيها الخطاب الحقيقي للنظام. لقد رأى الجميع القصف، والإعدامات، والجوع، والمخيمات، والدماء، ولكنهم لم يسمعوا بعد الكلمات التي تلفظها السلطة خلف الستائر. وحين خرجت أخيراً، اتضح أن ما خفي كان أوضح مما ظهر، وأن الهدوء المصطنع الذي يعتليه بشار في خطبه لم يكن سوى طبقة ورقية تغطي داخلاً مليئاً بالسخرية المريضة من وطن يستحق الاحترام لا الاحتقار.
إن أكثر ما يكشف ضعف الحاكم ليس انهيار قوته ، بل لسانه حين يتحدث. ولسان الأسد في تلك المقاطع كان موجّهاً ضد شعبه الكسير الجريح، لا ضد أعدائه، كان كاشفاً لفراغ داخلي، لنرجسية متضخمة، ولغرور يعيش في عالم منفصل تماماً عن الواقع، حتى المأساة لم تعد مأساة في قاموسه، بل مادة للسخرية، وكأن سوريا لوحة كاريكاتير، لا وطن من لحم ودم وتاريخ.
عذراً أيها الأسد… ليس على ما فعله بشار بنفسه؛ فهذا شأنه. بل على ما فعله باسمك، على تلويث لقب (الأسد) الذي كان يوماً رمز قوة، فأصبح رمز الانحطاط ، على تحويل الهيبة الطبيعية التي تحملها إلى شعار فارغ يُعلّق على جدار لا يصدّقه أحد، عذراً لأن اسمك أصبح مرادفاً للا نظام بدلاً من الطبيعة، وللقمع بدلاً من الشجاعة، لستَ مسؤولاً عن ذلك، ولا دمك يحمل تلك الخطيئة، بل خيال بشري مريض أراد أن يمتطي اسماً أقوى منه، فبدت المفارقة مضحكة في ظاهرها، مهينة في باطنها.
يا أيها الأسد الحقيقي… كن مطمئناً. سيأتي يوم يعود فيه الاسم إلى معناه، مثلما عاد الوطن إلى أبنائه وسوريا إلى ضميرها، والسياسة إلى أصحابها، والهيبة إلى من يستحقها، أما ما حدث، فليس إلا صفحة سوداء في تاريخٍ، عشناه بمرارة، كأنّه حكاية عن زمن فقد فيه الحاكم عقله… وفقد الوطن صبره فقرر أن ينتصر ويطوي صفحة الطاغية إلى الأبد…

