في خطوة مفصلية تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في خريطة الطاقة الإقليمية، وقّعت أربع شركات سعودية كبرى اتفاقات جديدة مع الشركة السورية للنفط تحت إشراف وزارة الطاقة في المملكة؛ هذه الخطوة لا تمثل مجرد تعاون تقني أو دعم تشغيلي، بل تؤسس لمرحلة أوسع قد تعيد هيكلة قطاع النفط والغاز في سوريا، الذي تضرر بشكل كبير طوال سنوات الحرب.
تأتي الاتفاقات ضمن مسار تصاعدي من التعاون بين الرياض ودمشق، بدأ باستئناف العلاقات ومرورًا بتوقيع مذكرات التفاهم في أغسطس الماضي، ليصل اليوم إلى اتفاقات تنفيذية تحمل في طياتها رسائل اقتصادية وسياسية بالغة الأهمية.
فإشراك شركات سعودية تمتلك خبرات عالمية في تطوير الحقول السورية يُعد مؤشرًا واضحًا على نية المملكة لعب دور فاعل في إعادة بناء قطاع الطاقة السوري، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويعيد ضخ الحياة في أحد أهم قطاعات الدولة السورية.
الشركات السعودية المشاركة ودلالات حضورها
شملت الاتفاقات أربع شركات سعودية قيادية هي: شركة طاقة (TAQA)، ” شركة ADES القابضة”، شركة الحفر العربية (Arabian Drilling Co.)، وشركة المسح الجيوفيزيائي العربية (ARGAS).
إن اختيار هذه الأسماء لم يكن اعتباطيًا، فكل شركة تمثل قطاعًا محددًا في الصناعة النفطية، بدءًا من الاستكشاف والمسح الجيوفيزيائي، مرورًا بخدمات الحفر والصيانة، وصولًا إلى التطوير والإنتاج. وجود هذا التنوع يعكس توجهًا شاملاً لإعادة بناء البنية التحتية للنفط والغاز في سوريا من الأساس.
امتداد لمذكرات التفاهم… وتقدم نحو التنفيذ
الاتفاقات تأتي استكمالًا لمذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين في 28 أغسطس، والتي تبعتها زيارات ميدانية وورش عمل لتقييم وضع الحقول والمنشآت السورية.
هذه الخطوة تشير إلى أن العلاقات لم تعد في إطار النوايا السياسية فقط، بل دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي، مما يعزز قناعة أن قطاع الطاقة سيكون أحد محاور التعاون الأكثر حساسية وتأثيرًا بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
اتفاق ADES: تطوير وإدارة خمسة حقول غاز رئيسية
يشير موقع arabnews إلى أن أحد أبرز الاتفاقات كان بين شركة ADES القابضة والشركة السورية للنفط، وهو اتفاق يضع الأسس العامة للعقد النهائي لتطوير وتشغيل وإنتاج الغاز من عدة حقول سورية.
وتشمل الحقول المذكورة: أبو رباح، قُمقُم، شمال الفيض، تيّاس، وزملة الماهر، إضافة إلى إمكانية إضافة مواقع أخرى لاحقًا. والهدف الأساسي من الاتفاق هو رفع مستوى الإنتاج الحالي، عبر تطوير البنية التحتية وتشغيل المنشآت بالمعايير العالمية، ما قد يسهم في تخفيف العجز المتزايد في سوق الطاقة السورية.
رفع الإنتاج وزيادة الفعالية التشغيلية
الاتفاق مع ADES لا يقتصر على التشغيل فقط، بل يحدد المبادئ التي ستشكّل إطار العقد الفني النهائي، والذي سيحدد آليات التطوير، حجم الإنتاج المستهدف، وآليات التشغيل المشترك.
هذه الخطوة تتيح لسوريا الاستفادة من خبرات شركة regional متقدمة لطالما عملت في بيئات معقدة، ما يجعلها قادرة على التعامل مع التحديات الفنية التي تواجه الحقول السورية المتهالكة.
اتفاق TAQA: حلول متقدّمة لبناء وصيانة الحقول
وقّعت شركة طاقة (TAQA) اتفاق خدمات رئيسي مع الشركة السورية للنفط لتقديم حلول متكاملة في بناء وصيانة الحقول والآبار.
يهدف الاتفاق إلى تحسين الكفاءة التشغيلية، وزيادة الإنتاج من خلال استخدام أحدث المعدات العالمية وتطبيق تقنيات متطورة في إنشاء الآبار وصيانتها. تمتلك “طاقة” خبرة واسعة في إدارة الحقول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يجعل مساهمتها في السوق السورية خطوة يمكن أن تُحدث تحولًا في الأداء الفني للقطاع.
المسح الجيوفيزيائي: تعزيز الاستكشاف بقدرات ARGAS
أما الاتفاق الثالث فجاء مع شركة ARGAS، المتخصصة في تقديم خدمات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد. ويسعى الاتفاق إلى دعم عمليات الاستكشاف والتقييم في مناطق لم تخضع لدراسات حديثة خلال العقد الماضي بسبب ظروف الحرب.
كما يهدف إلى بناء إطار تعاون استراتيجي طويل المدى، يضمن سرعة تنفيذ المشاريع وتوفير مرونة عالية في الاستجابة للاحتياجات التقنية المتغيرة.
البنية التحتية للمعرفة وتطوير صناعة الطاقة السورية
توفر بيانات ARGAS أساسًا لاتخاذ القرارات حول المواقع ذات الجدوى التجارية، مما قد يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة تدعم أمن الطاقة السوري الذي تعرض لضغط شديد.
ويُعتبر هذا الاتفاق حجر أساس لإعادة بناء صناعة الاستكشاف السورية، التي توقفت بشكل شبه كامل خلال السنوات الماضية.
تشغيل المنصات وتطوير الكوادر الوطنية
البيان الرابع تضمن اتفاقًا على المبادئ بين الشركة السورية وشركة الحفر العربية، التي ستوفر منصات الحفر للصيانة والحفر، إضافة إلى تقديم خدمات لوجستية ومهمات تدريب وتأهيل للكوادر السورية.
تأتي أهمية هذا الاتفاق من حاجة سوريا الماسة إلى منصات الحفر بعد خروج العديد منها عن الخدمة نتيجة الحرب أو نقص الصيانة.
توطين الخبرات ودعم القوى العاملة
يشمل الاتفاق التزام شركة الحفر العربية بتقديم التدريب للمهندسين والفنيين السوريين، بما يسهم في إعادة تأهيل القوى العاملة الوطنية، وبناء جيل جديد قادر على إدارة المنشآت خلال السنوات القادمة.
يُعد ذلك خطوة استراتيجية تضمن استمرار التطوير دون اعتماد مطلق على الكفاءات الخارجية.
أهمية الاتفاقات في السياق الاقتصادي والسياسي
هذه الاتفاقات تحمل أبعادًا اقتصادية واضحة، لكنها أيضًا تعكس رسائل سياسية مهمة: أولها رغبة المملكة في دعم استقرار سوريا عبر بوابة الطاقة، وثانيها تأكيد أن التعاون الاقتصادي قد يمهد لتفاهمات سياسية أوسع.
وتشير الخطوات الفنية التنفيذية إلى أن دمشق تعوّل على الدور السعودي لإعادة تشغيل أحد أهم قطاعات اقتصادها.
خطوة نحو إعادة بناء قطاع منهك
تمثل هذه الاتفاقات خطوة محورية في طريق إعادة بناء قطاع النفط والغاز السوري، الذي يشكل شريانًا اقتصاديًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ومع دخول الشركات السعودية بثقلها الفني والتقني، يبدو أن دمشق تتجه نحو مرحلة قد يشهد فيها القطاع انتعاشًا تدريجيًا، ينعكس على الاقتصاد السوري ككل. لكن نجاح هذه المشاريع سيعتمد على استمرار الاستقرار الأمني والسياسي، وتسهيل العمل الميداني، وتعميق التعاون التقني بين الجانبين.

