د. سعود النداح
في إحدى الليالي، طرحت هذا السؤال على أحد الأصدقاء فأجاب باختصار لافت:
هذا سؤال نكرره كثيراً بيننا وبين أنفسنا ولكن غالباً بلا إجابة.
فعلاً قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة يفتح باباً عميقاً لفهم النفس البشرية.
الحقيقة أن أغلبنا لا يقع في الخطأ لأنه يجهل عواقبه. نحن نعرف ونحذّر غيرنا ونعد أنفسنا ألّا نعود، ثم نعود. هذه المفارقة لا تعني ضعفاً في الوعي، لكنها تعكس طريقة عمل العقل البشري الذي لا يُدار بمنطق الصواب والخطأ بقدر ما يُدار بمنطق الأمان.
العقل يميل إلى المألوف والمألوف يمنحه شعوراً بالسيطرة حتى لو كان مؤلماً. أما المجهول مهما كان أفضل فيثير داخله القلق والتهديد.
ولهذا نرى أشخاصاً يعودون إلى علاقات تستنزفهم أو يكررون عادات يعرفون أنها تضر صحتهم أو يتصرفون بردود فعل يندمون عليها في كل مرة، لأن هذا السلوك أصبح بالنسبة للعقل منطقة آمنة.
أعتقد أحد أكبر الأوهام الشائعة أن المعرفة وحدها قادرة على تغيير السلوك، لأن الواقع النفسي الذي نراه يقول غير ذلك.
ملايين البشر يعرفون أضرار التدخين وقلة فقط تقلع عنه، وكثيرون يفهمون معنى الحدود الصحية في العلاقات لكنهم يعجزون عن تطبيقها، التغيير لا يحدث عندما نعرف أن السلوك خطأ، وإنما يبدأ عندما يشعر العقل أن البديل أقل تهديداً وأكثر أماناً.
كثير من السلوكيات المتكررة ليست عادات سطحية حتى لو بدأت فالظاهر لنا كذلك، الأمر أعمق بكثير، هي ذاكرة انفعالية تشكلت في وقت سابق من الحياة. ربما في الطفولة أو في تجربة فشلت أو في علاقة مؤلمة.
في لحظة ما تعلّم العقل أن هذا السلوك يخفف الألم أو يقلل الخوف أو يمنع الخسارة فخزّنه كخيار جاهز. ومع مرور الوقت أصبح يستدعيه تلقائياً كلما شعر بقلق مشابه حتى لو تغيّر الزمن وتغيّرت الظروف.
ولهذا نندم بعد الفعل ثم نكرره. السلوك يصدر من العقل اللاواعي بينما يأتي الندم من العقل الواعي. نلوم أنفسنا بعد أن ينتهي كل شيء، لكن الفعل نفسه لم يمر أصلًا على مساحة التفكير الواعي. وهنا تتكوّن دائرة جلد الذات ثم العودة إلى السلوك ذاته ثم لوم جديد.
التغيير الحقيقي لا يبدأ بالسؤال القاسي: لماذا أنا ضعيف؟
بل يبدأ بسؤال أعمق وأكثر صدقاً: متى تعلّم عقلي هذا السلوك؟ ولماذا احتاجه يوماً ما؟
هذا الفهم هو بداية التغيير. وعندما نفكك أصل السلوك، نستطيع أن نبني بديلاً جديداً يشعر معه العقل بالأمان دون أن يعود إلى الأسلوب القديم.
نحن لا نكرر السلوك الخطأ لأننا لا نعرف، نكرره لأننا لم نتعلّم بعد طريقاً آخر نشعر فيه بالأمان. الرحمة بالنفس هنا ليست تساهلاً مع الخطأ، الرحمة بالنفس هي الخطوة الأولى للخروج منه.

