شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في منظومتها التعليمية، مدفوعة برؤية طموحة تستهدف بناء مجتمع معرفي يقوم على التعلّم المستمر، وتطوير رأس المال البشري بوصفه الركيزة الأساس لنهضة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وفي هذا السياق، برزت خطوة جديدة تؤكد عمق هذا التوجه، بعد إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) اعتماد ثلاث مدن سعودية إضافية للانضمام إلى شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلّم لعام 2025.
هذا الاعتماد لا يمثّل مجرد اعتراف دولي بجهود المدن المعنية، بل يُعد مؤشرًا واضحًا على التطور المتسارع الذي تشهده المملكة في مجال التعليم غير النظامي والتعلّم مدى الحياة، وربط التعليم بمتطلبات التنمية الشاملة.
برامج مبتكرة
تأتي هذه الخطوة في وقت تؤكد فيه المملكة التزامها بتحويل التعلّم إلى ممارسة يومية، لا تنحصر في المدارس والجامعات، بل تمتد إلى أماكن العمل، والمرافق الثقافية، والفضاءات العامة، وحتى البيئات المنزلية.
وقد حرصت المدن السعودية خلال السنوات الماضية على تصميم برامج تعليمية مبتكرة تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتدعم التكيّف مع المتغيرات التقنية، وتواكب التطورات العالمية في اقتصاد المعرفة.
3 مدن.. بيئات تعليمية نابضة
بحسب ما نشرته اليونسكو عبر موقعها الرسمي لعام 2025، فقد انضمت كلٌّ من الرياض، والعُلا في منطقة المدينة المنورة، ورياض الخبراء في القصيم إلى قائمة مدن التعلّم العالمية، بعد نجاحها في استيفاء المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.
وتشمل هذه المعايير تعزيز فرص التعلّم للجميع، وتوفير برامج شاملة لرفع مهارات القوى العاملة، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، إضافة إلى تمكين فئات المجتمع كافة من اكتساب مهارات العصر الرقمي.
شبكة اليونسكو العالمية
تعد شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلّم إحدى أبرز المبادرات الدولية المعنية بتطوير المدن لتصبح بيئات تعليمية نابضة بالحياة، قادرة على دعم التنمية المستدامة والتحول الاقتصادي.
وتضم هذه الشبكة عشرات المدن من مختلف دول العالم التي أثبتت قدرتها على دمج التعلّم في نسيج الحياة اليومية، عبر خطط واستراتيجيات تبني مفهوماً جديدًا للتعليم، يقوم على الاستمرارية والمرونة، ويستجيب للتغيرات السريعة التي يشهدها العالم.
منظومات تعليمية متكاملة
وقد أوضحت اليونسكو في بيانها أن المدن السعودية المنضمة حديثًا تتمتع بقدرة عالية على تصميم منظومات تعليمية متكاملة، تتنوع بين تعليم الكبار، وبرامج التأهيل المهني، ومسارات دعم المهارات الرقمية، والمبادرات الموجهة لتمكين الشباب والنساء والفئات التي لم تُتح لها فرص تعليمية كاملة في مراحل سابقة.
كما أشادت المنظمة بنجاح هذه المدن في تعزيز التوعية المجتمعية، وتفعيل دور المؤسسات الثقافية والمعرفية، وتطوير شراكات متقدمة بين القطاعين العام والخاص لدعم الابتكار.
8 مدن ضمن شبكة مدن التعلّم العالمية
مع هذا الانضمام الجديد، يرتفع عدد المدن السعودية المعتمدة ضمن شبكة مدن التعلّم العالمية إلى ثماني مدن، تشمل: الجبيل، وينبع، والمدينة المنورة، والأحساء، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، بالإضافة إلى الرياض، والعُلا، ورياض الخبراء.
هذا التوسع يعكس حجم الجهود الوطنية المبذولة في بناء نموذج تعليمي حديث يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويرمز إلى صعود المملكة كلاعب أساسي في تطوير أساليب التعليم عالميًا.
كما يؤكد هذا الإنجاز أن المملكة ماضية في تبني فلسفة شاملة للتنمية البشرية، تتجاوز حدود التعليم التقليدي لتشمل الإبداع، والابتكار، وبناء مجتمع قادر على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
ومع استمرار المشاريع التعليمية الضخمة، وإطلاق مبادرات تعلّم مستمرة في مختلف المدن، تتقدم المملكة بثبات نحو بناء منظومة تعليمية تعد من بين الأكثر تقدماً في المنطقة، بما يتسق مع طموحها للوصول إلى مجتمع معرفي عالمي المستوى.

