عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
لسنا ما نعلنه للناس، ولا ما نكتبه في السير الذاتية، ولا حتى ما ندافع عنه في لحظات الجدال، نحن في الحقيقة نتشكّل عند تلك النقاط الصامتة التي لا نراها، ولا نلتفت إليها، لكنها تحدد كيف نتصرف حين لا يراقبنا أحد.
هناك حدود لا تُرسم بالقوانين، ولا تُكتب في اللوائح، ولا تُفرض بالقوة، حدود تتكوّن في الداخل، في الوعي، في الإحساس الخفي بما ينبغي وما لا ينبغي، حتى حين يكون كل شيء متاحاً، أو مغرياً، أو ممكناً بلا عقوبة.
الإنسان لا يُختبر حين يُمنع، بل حين يُترك حرًا؛ إذ ذاك يظنّ كثيرون أن الأخلاق تُقاس بما نفعله علنًا، لكن الحقيقة أن جوهر الإنسان يظهر حين لا يكون هناك شاهد، ولا مصلحة، ولا خوف من خسارة صورة أو مكانة.
هناك، في تلك المساحة الخالية من الرقابة، تتضح الحدود غير المرئية.. وتتضح معها ملامحنا الحقيقية.
نحن نتشكّل من الأشياء التي نرفضها بصمت، لا من الأشياء التي نعلن قبولها، من لحظات التراجع غير المبررة، و من “ل” التي لم نحتج أن نشرحها لأحد، ومن قرار داخلي اتُّخذ لأن شيئاً ما “لا يشبهنا”، لا لأنه ممنوع.
في عالم يسيطر عليه الضجيج، يصبح تجاوز الحدود سهلاً، بل أحياناً مبرراً، تُغلف التجاوزات بمسميات ناعمة و تُقدّم الانحرافات على أنها شجاعة، ويُطلب من الإنسان أن يعيد تعريف نفسه كل مرة كي لا يُتهم بالجمود أو التخلّف.
لكن الحقيقة أبسط من ذلك كله.. فالإنسان لا يحتاج أن يعيد تعريف نفسه، بل أن يتذكر حدوده.
الحدود غير المرئية ليست قيوداً، بل دلائل طريق.. هي التي تحمينا من التحوّل إلى نسخ متشابهة، ومن الانجراف خلف كل ما يُعرض، ومن الوقوع في فخ “كل الناس تفعل ذلك”.
وحين تضيع هذه الحدود، لا يضيع الإنسان فجأة.. بل يتآكل ببطء، تنازل صغير يتبعه آخر، وتبرير مؤقت يتحول إلى عادة، حتى يستيقظ المرء يوماً وهو لا يعرف متى ولماذا تغيّر.
القوة الحقيقية ليست في القدرة على الفعل، بل في القدرة على الامتناع، أن تمتلك الخيار ثم تختار التراجع، أن تكون قادراً ثم تقرر ألا تكون، أن تُتاح لك المساحات ثم تبقى داخل خطك الداخلي.. هذه ليست هشاشة، بل وعياً يتشكل.
لعل أكثر ما يصنع الإنسان هو تلك الحدود التي لا يتحدث عنها.. حدود لا يفاخر بها، ولا يستعرضها، ولا يستخدمها لإدانة الآخرين، بل يعيشها بهدوء، كجزء من تركيبته النفسية والأخلاقية.
نحن لا نحتاج عالماً أكثر صخباً، ولا خطابات أعلى، ولا تعريفات جديدة للإنسان كل موسم.. نحتاج فقط أن نعيد احترام تلك المساحة الداخلية التي تقول لنا: “قف”، دون أن ترفع صوتها.
في النهاية.. الحدود التي لا نراها هي التي تصنعنا.. لأنها وحدها تختبرنا حين لا يكون هناك أحد سوانا.

