تشهد المملكة العربية السعودية تحولًا نوعيًا في مقاربتها للتقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة تشغيلية فحسب، بل باعتباره ركيزة سيادية لإعادة تشكيل العمل الحكومي وصناعة القرار.
وفي هذا الإطار، تبرز الاتفاقية الإستراتيجية التي وقعتها وزارة الداخلية مع شركة «هيوماين»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، كخطوة مفصلية تعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مستوى الرؤية إلى مستوى التطبيق المؤسسي العميق.
وأكد الأمير الدكتور بندر بن عبدالله بن مشاري، مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية، أن هذه الاتفاقية تأتي ضمن حرص وزارة الداخلية على تبني التقنيات المتقدمة، وتوطين حلول الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي ورفع كفاءة العمليات التشغيلية والإدارية.
تحديث البنية التحتية للحوسبة عالية الأداء
أوضح أن الاتفاقية، التي جرى توقيعها خلال حفل افتتاح مؤتمر «أبشر 2025» برعاية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية، تمثل عنصرًا أساسيًا في جهود الوزارة لتطوير البنية التحتية للحوسبة عالية الأداء.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق من خلال التطبيقات السطحية، بل عبر الاستثمار في بنى تحتية قادرة على معالجة البيانات الضخمة، وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وتحليل المعلومات في الزمن الحقيقي. ومن شأن ذلك أن يُسهم في تحديث البيئة التقنية، وتعزيز سرعة الاستجابة، ودقة العمليات، وكفاءة إدارة الموارد.
توطين الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة الأمنية
تمثل الاتفاقية خطوة مهمة في مسار توطين الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات السيادية، وفي مقدمتها القطاع الأمني. فبدل الاعتماد على حلول مستوردة أو منصات خارجية، تتجه وزارة الداخلية إلى تبني تقنيات محلية متقدمة في مجالات نماذج اللغة الكبيرة، والحلول الذكية، والحوسبة عالية الأداء.
وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز القدرات الرقمية للوزارة عبر وظائفها الداخلية، وتحسين جودة الخدمات، ودعم تحليل البيانات، ورفع كفاءة صناعة القرار، بما يحقق توازنًا بين التطور التقني ومتطلبات الأمن السيبراني وحوكمة البيانات.
من الاستراتيجية إلى التطبيق اليومي
في سياق ترجمة هذه الشراكة إلى نتائج ملموسة، أعلنت وزارة الداخلية إطلاق قناة الذكاء الاصطناعي «هيوماين تشات» عبر منصة «أبشر – داخلية»؛ وتُعد هذه الخطوة مؤشرًا واضحًا على الانتقال من التخطيط الاستراتيجي إلى الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل.
وتهدف القناة إلى تمكين منسوبي الوزارة من الوصول إلى أدوات متقدمة تُسهم في تسريع استرجاع المعلومات، وإنجاز المهام الإدارية والمعرفية، وتحسين كفاءة الأداء وزيادة الإنتاجية، إضافة إلى توفير قدرات تحليلية تفاعلية تسهّل العمل المؤسسي وترفع جودة المخرجات.
«سدايا» وبناء المنظومة الوطنية المتكاملة
يتكامل هذا المسار مع الدور المحوري الذي تضطلع به الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا». ففي كلمة ألقاها خلال مشاركته في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي 2025، أكد معالي رئيس الهيئة الدكتور عبدالله بن شرف الغامدي أن «سدايا» عملت منذ تأسيسها عام 2019 على تعزيز قدرات البنية التحتية الرقمية الوطنية.
وأوضح أن تشغيل مركز المعلومات الوطني، وإطلاق البنك الوطني للبيانات – الذي يُعد أكبر تجمع للبيانات الحكومية في المنطقة بعد دمج أكثر من 400 نظام حكومي – أسهما في توحيد البيانات، وتحسين جودتها، وتطوير سياسات الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني.
النماذج اللغوية العربية والاعتراف الدولي
أثمر هذا التكامل المؤسسي عن تقدم لافت في مجال النماذج اللغوية الكبيرة. فقد طورت «سدايا» بالتعاون مع شركائها نماذج لغوية عربية متقدمة، من أبرزها نموذج «علاّم»، الذي عالج أكثر من 500 مليار وحدة لغوية، واعتمد على قاعدة بيانات تضم أكثر من 350 ألف منشور نصي عربي.
وتُعد هذه الجهود من أكبر المشاريع اللغوية في العالم العربي، وقد حظيت بإشادة دولية، من بينها إشادة شركة IBM خلال فعالية IBM Think في مدينة بوسطن، ما يعكس انتقال المملكة من موقع استهلاك التقنية إلى موقع إنتاجها وتطويرها.
الذكاء الاصطناعي كأداة لإعادة تعريف الدولة الحديثة
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن السعودية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كخيار تقني معزول، بل كأداة لإعادة تعريف مفهوم الدولة الحديثة، من خلال رفع كفاءة المؤسسات، وتعزيز التكامل بين الجهات، وبناء منظومة رقمية مستقلة ومستدامة.
وبينما تمضي وزارة الداخلية، و«هيوماين»، و«سدايا» في مسارات متوازية، تتبلور ملامح نموذج سعودي خاص للذكاء الاصطناعي، يقوم على التوطين، والحوكمة، والتكامل المؤسسي، بما يضع المملكة في موقع متقدم ضمن خريطة الابتكار العالمي.

