د. سعود النداح
في العلاقات الإنسانية لا تكون الكلمات دائماً دليل صدق، فبعض العبارات تُقال لتؤدي وظيفة نفسية لا أخلاقية.
ومن أكثرها التباساً كلمة: سامحني.
الغفران قيمة راسخة في ثقافتنا، نمارسه حفاظاً على سلامنا الداخلي، ولأن القلوب النظيفة لا تحتمل حمل الأذى طويلاً.
لكن الغفران حين يُطلب دون اعتراف فهو يُطلب هو فقط يُراد كمسكن لتخفيف تأنيب الضمير ومخدر مؤقت للشعور.
فليس كل من قال: سامحني كان يعترف فعلاً بما حدث.
أحياناً تُقال الكلمة بينما الحقيقة مؤجلة، والفعل غير مُسمّى، وكأن المطلوب طيّ الصفحة دون قراءتها.
الوجع الحقيقي لا يبدأ عند الرحيل، فالناس تتغير، والطرق لا تلتقي دائمًا. الوجع يبدأ عندما يُطلب الغفران وما زال الطرف الآخر يتجاهل أن القرار لم يكن عابراً، ولا ظرفاً طارئاً،
إنما كان اختياراً واعياً تم إتخاذه بهدوء.
هنا يختل التوازن الإنساني. لأن الغفران في جوهره ليس كلمة تُقال، إنما مسار يبدأ بالاعتراف، ويمر بتحمّل المسؤولية، وينتهي بمحاولة إصلاح الأثر ولو معنوياً.
في العلاقات الإنسانية، يُصنَّف الاعتذار غير المكتمل بوصفه محاولة لتهدئة الضمير لا لتضميد أثر الفعل.
سلام يُطلب من طرف واحد، بينما يُترك الطرف الآخر
يتعامل مع فراغ الأسئلة إلى حين يكتشف الإجابات أو لا يكتشفها اصلاً.
ولهذا يشعر بعض الناس بثقل غامض بعد أن يقولوا: سامحت ليس لأنهم لا يؤمنون بالغفران، إنما لأن الغفران قُدِّم قبل أن يكتمل الفهم، وقبل أن تُقال الحقيقة كما هي.
بعض الاعتذارات لا تقول: أخطأت
بل تقول ضمناً:
أعفني من الشعور بالذنب، دون أن أتحمّل مسؤوليته.
النضج لا يعني أن نُغلق قلوبنا، ولا أن نُكثّف الحذر، بل أن نفهم أن الغفران لا يُستعجل، ولا يُنتزع بلطف العبارات، ولا يُمنح احتراماً لكلمة لم يُدعَم صدقها بالفعل.
وأحياناً أعدل ما يفعله الإنسان مع نفسه أن يترك مسافة هادئة، لا قطيعة فيها ولا محاسبة ولا إلتفات، ويدرك أن الغفران الحقيقي لا يبدأ بالكلمة، بل بالاعتراف لأن الحقيقة سوف تكتشف ولو بعد حين، وقبل ذلك لا نتناسى أن الله يعلم كل شي.

