د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
المارقون ليسوا حدثاً عابراً في تاريخ الأوطان، بل ظاهرة تتكرر كلما ضعفت المناعة الأخلاقية، وكلما اختلطت الشعارات بالضغائن، وكلما صار الصوت أعلى من المعنى!.
هم أولئك الذين يقفون في المسافة الرمادية بين الخيانة الصريحة والحياد الكاذب، يتغذّون على الشقاق، ويقتاتون على انكسارات المجتمعات، ويجيدون التسلّل من ثغرات التعب والخذلان، لا يدخلون من بوابة العدو، بل من باب (النصيحة المخادعة)، ولا يرفعون راية السلاح ابتداءً، بل راية (الوعي المزيّف)، حتى إذا اكتملت الفتنة، ظهر الإرهاب بوجهه الكامل، كأنه نتيجة طبيعية لما زرعوه طويلاً.
المارقون لا يحبّون الأوطان، لكنهم يحسنون تقمّص لغتها، يتحدّثون باسم الحرية وهم أوّل من يقتل معناها، يرفعون راية المواطنة وهم يلوّثون جذورها، يصرخون بالكرامة وهم يختصرونها في كراهية الآخر، يشيعون فكرة أن الوطن مجرّد مشروع قابل للتفكيك وأن الدولة مجرّد اتفاق مؤقّت وأن الدم يمكن أن يكون وسيلةً مشروعة لإعادة تعريف الهوية. هكذا، يصبح التفجير خطاباً، والاغتيال رأياً، والترويع ضرورة تاريخية!.
في أسلوبهم شيء من الحيلة وشيء من الجبن. لا يواجهون الحقيقة مباشرة، بل يلتفون حولها بسلسلة من الأسئلة المسمومة. يشكّكون في كل ثابت، لا لأنهم عقلانيون، بل لأنهم لا يحتملون وجود مرجعية أعلى من أهوائهم. يخاصمون الجيش لأنه رمز السيادة، ويهاجمون المؤسسات لأنها دليل النظام، ويزدَرون القانون لأنه يقف ضد شهوة الفوضى. هم لا يعارضون من أجل التصحيح، بل يهدمون من أجل الفراغ، لأن الفراغ هو البيئة المثالية التي ينمو فيها الإرهاب.
المارقون يتغذّون على الانقسام، ويصنعون منه عقيدة. يبدؤون بتفكيك اللغة المشتركة، ثم الذاكرة المشتركة، ثم المصير المشترك. يعلّمون الناس أن يكرهوا بعضهم قبل أن يكرهوا عدوهم، وأن يشكّوا في جنديهم قبل أن يشكّوا في قاتلهم، وأن يساووا بين الدولة والعصابة باسم التوازن في قاموسهم، لا توجد خيانة، بل اختلاف وجهات نظر ولا يوجد إرهاب، بل غضب مشروع ولا توجد أوطان، بل خرائط مؤقتة.
وحين يُسأل المارق: ماذا بعد الهدم؟، يبتسم. لأنه لا يملك جواباً. المارق لا يبني، لأنه لا يؤمن بالبناء أصلاً. هو كائن لحظي، يعيش على اشتعال اللحظة، ويذوب عند أول اختبار طويل. يحرّض اليوم، ويغيب غداً، ويترك خلفه مدناً محروقة، وأجيالاً مشروخة، وأسئلة بلا أجوبة. ثم يعود، بوجه جديد، واسم جديد، وشعار جديد، ليكرّر اللعبة ذاتها.
المارق ليس شخصاً فقط او مليشيا، بل حالة ذهنية. هو الفكرة التي تنفصل عن الأخلاق، والرأي الذي ينفصل عن المسؤولية، والجرأة التي تنفصل عن الحكمة. هو ذاك الصوت الذي يقول لك: اكسر كل شيء الآن، وسنرى لاحقاً، غير مدرك أن (اللاحق) لا يأتي أبداً لمن اعتادوا الهدم. هو ذاك الذي يختصر التاريخ في مقطع، والدم في وسم، والمأساة في منشور.
الأخطر أن المارقين يتقنون لعب دور الضحية. كلما انكشفوا، اتّهموا الوطن بالقسوة، وكلما حوسبوا، صرخوا بالقمع، وكلما رُفض خطابهم، ادّعوا الإقصاء. لا يعترفون بخطأ، ولا يراجعون فكرة، لأن الاعتراف يعني سقوط القناع. لذلك يفضّلون تحويل النقاش إلى صراخ، والاختلاف إلى تخوين، والوعي إلى فوضى. في هذه الضوضاء، يمرّ الإرهاب كأنه قدر، لا كأنه جريمة.
لكن الأوطان، رغم كل شيء، لا تسقط بسهولة. لأنها ليست مباني فقط، بل ذاكرة وإرادة. لأن فيها من يفهم أن الاختلاف لا يعني الهدم، وأن النقد لا يعني التحريض، وأن الحرية لا تعني فتح الأبواب للقتلة. لأن فيها من يدرك أن أخطر معركة ليست على الحدود، بل في العقول، حيث يحاول المارق أن يجعل الكراهية رأياً، والدم خياراً، والانقسام مستقبلاً.
المارقون عابرون، مهما طال حضورهم. يعلو ضجيجهم حين تضعف اللحظة، ويخفت حين تستعيد الأوطان ثقتها بنفسها. التاريخ لا يخلّدهم، بل يذكرهم كهامش مظلم، كتحذير متأخر. أما الأوطان، فتبقى، لأنها تتعلّم، وتتألم، لكنها لا تنسى. وفي النهاية، يسقط المارق حين يُحرم من أخطر أسلحته: الفوضى. وحينها، يعود إلى حجمه الحقيقي، ظلاً بلا جسد، وصوتاً بلا أثر.

