في عالم الجريمة، كانت خصلة الشعر التي تفتقر إلى “الجذر” تمثل كابوسًا للمحققين لفترة طويلة. فالحمض النووي التقليدي الذي نعرفه جميعاً يسكن في جذر الشعرة فقط، بينما تمثل خصلات الشعر المتساقطة التي نجدها في مسرح الجريمة مجرد خلايا ميتة لا تحتوي على مادة وراثية كافية للتحليل.
ومع ذلك، أعلن باحثون من جامعة إيديث كوان الأسترالية في ديسمبر 2025 عن حل عبقري لهذه المعضلة. لقد تمكنوا من ابتكار طريقة لتحديد هوية الجاني عبر ما يسمى “بصمة البروتين” الكامنة داخل خصلة الشعر نفسها، محولين هذا الدليل المهمل إلى مفتاح ذهبي للعدالة.
عجز الـ DNA وصمود البروتين المذهل
لطالما اعتبر العلم أن الحمض النووي هو “الملك” في تحديد الهوية، لكن المشكلة تكمن في أن هذه المادة رقيقة جداً وتتحلل بسرعة بفعل الحرارة أو الرطوبة أو مرور الزمن.
في المقابل، تظهر البروتينات كبطل خارق في مسرح الجريمة، حيث تمتاز البروتينات الهيكلية في الشعر بصلابة هائلة وقدرة على الصمود لسنوات طويلة حتى في أصعب الظروف البيئية.
وبما أن تسلسل البروتين مرتبط مباشرة بالشفرة الوراثية للشخص، فإن كل شعرة تحمل “توقيعاً جزيئيًا” خاصًا بصاحبها لا يتكرر، مما يجعلها سجلًا وراثيًا محفوظًا داخل غلاف بروتيني متين.
كيف يفهم العلماء لغة البروتين؟
لفهم هذه العملية ببساطة، يجب أن نتخيل البروتين كقطار طويل يتكون من عربات متسلسلة تسمى “أحماضًا أمينية”.
في بعض الأحيان، يحدث تغيير بسيط في “عربة” واحدة فقط بسبب اختلاف جيني لدى الشخص، وهو ما يسميه العلماء “تعدد أشكال الأحماض الأمينية المفردة”.
يقطع الباحثون بروتين الشعرة إلى قطع صغيرة تسمى “ببتيدات”، ثم يستخدمون أجهزة متطورة تسمى “مطياف الكتلة” لقراءة تسلسل هذه القطع بدقة.
ومن خلال هذه القراءة، يكتشفون الاختلافات الجينية الدقيقة التي تميز شخصاً عن آخر، تمامًا كما نفعل مع بصمات الأصابع.
دقة حسابية تتفوق على عدد سكان الأرض
قد يتساءل البعض عن مدى موثوقية هذه الطريقة مقارنة بالبصمة الوراثية التقليدية، والحقيقة أن النتائج جاءت مذهلة وصادمة.
وبينما كانت الاحتمالات في بدايات هذا العلم عام 2016 تصل إلى حالة مطابقة واحدة لكل 12 ألف شخص، نجحت التحسينات المختبرية في عام 2025 في رفع هذه الدقة لتصل إلى احتمالية مطابقة واحدة فقط من بين كل 310 تريليونات شخص.
هذا الرقم الفلكي يتجاوز عدد البشر الذين عاشوا على كوكب الأرض منذ بدء الخليقة بآلاف المرات، مما يمنح القضاء يقيناً مطلقاً في تحديد الجاني واستبعاد أي احتمالية للمصادفة.
القضايا الباردة وضحايا الكوارث
لا تقتصر أهمية “بصمة البروتين” على ملاحقة المجرمين في الوقت الحالي فحسب، بل تفتح آفاقاً جديدة لحل “القضايا الباردة” التي ظلت غامضة لعقود بسبب تحلل عينات الـ DNA فيها.
بالإضافة إلى ذلك، ستلعب هذه التقنية دورًا حاسماً في تحديد هوية ضحايا الكوارث الطبيعية حينما يكون استخراج المادة الوراثية أمرًا مستحيلًا.
ومع هذا التطور، لم يعد بإمكان المجرمين الاطمئنان لغياب الجذور في شعرهم المتساقط، فقد أصبحت البروتينات هي الشاهد الذي لا ينام، والدليل القاطع الذي سيغلق أبواب الهروب أمام كل من ظن أن العلم قد توقف عند حدود الحمض النووي.

