عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
حين نقترب من النفس البشرية دون أحكام جاهزة، يتّضح أن إرباكها لا يصدر عن التناقض بقدر ما يصدر عن سوء التمييز.
نحن نخلط بين ما يجب أن يبقى لأنه يمنحنا المعنى، و ما ينبغي أن يتغيّر لأنه لم يعد صالحاً للحياة.
في هذا الخلط تضيع البوصلة، و تتحوّل الأسئلة الطبيعية إلى قلق مزمن، لأن النفس لا تُرهقها الحركة بحد ذاتها، بل يرهقها التغيير بلا معيار.
في داخل كل إنسان ثابتٌ لا يُرى بسهولة، ليس رأياً مؤقتاً و لا موقفاً ظرفياً، بل إحساس متماسك بالهوية، و منظومة قيم تمنحه شعور الاستمرار حين تتبدّل الوجوه و الأزمنة و الأمكنة .. هذا الثابت لا يفرض نفسه بصوت عالٍ، لكنه حاضر في الخلفية، يضبط الإيقاع الداخلي، و يمنع الانهيار حين تتكاثر الاختبارات.
وحين يُمسّ هذا الثابت دون وعي، يظهر الاضطراب حتى لو بدا الخارج منسجماً و متكيفاً مع كل جديد.
و إلى جواره، يعيش المتغيّر بوصفه طاقة حيوية لا يمكن تعطيلها ، فالمتغيّر هو الوعي الذي ينضج بالتجربة، و يعيد ترتيب القناعات حين تصطدم بالواقع، و يسمح للنفس أن تتعلّم من أخطائها دون أن تعتبر المراجعة هزيمة.
هذا المتغيّر لا يناقض الثابت، بل يحميه من التحوّل إلى أغلال، لأن الثبات الذي يرفض التبدّل يتحجّر، و يتحوّل مع الوقت إلى عبء نفسي يُدافع عنه صاحبه بدافع الخوف لا القناعة.
الإشكال يبدأ حين يتحوّل الثابت إلى ملجأ نفسي لا إلى قيمة حقيقية ، كثيرون لا يتمسّكون بما يؤمنون به لأنه صائب، بل لأنه مألوف، و لأن التخلي عنه يفتح أسئلة لا يرغبون في مواجهتها.
هنا يتقمّص الثبات دور الحارس، لا على المعنى، بل على الراحة ، و في هذه اللحظة تحديداً، تفقد القيم قدرتها على التوجيه، حتى لو ظلّت مرفوعة في الخطاب و الشعارات.
و في الطرف المقابل، لا يقل الخلل عمقاً عند من يقدّس التغيّر لذاته ، فالتبدّل المستمر حين لا يستند إلى ثابت واضح لا يصنع وعياً مرناً، بل يصنع نفساً قَلِقة تتغيّر لتتجنّب المساءلة، و تعيد تعريف نفسها هرباً من الالتزام.
هؤلاء يبدون منفتحين، لكنهم في الداخل بلا مرجعية، لذلك يستهلكهم البحث الدائم عن موقف أقل كلفة، لا عن معنى أصدق.
النضج الإنساني لا يقف في أحد الطرفين، بل يتشكّل في المسافة الواعية بين الثابت و المتغيّر .. أن تعرف ما الذي يجب أن يبقى لأنه يمثّلك حقاً، و ما الذي يجب أن يتغيّر لأنه لم يعد يعكسك.
هذه القدرة لا تُكتسب بالقراءة وحدها، و لا بالشعارات الأخلاقية، بل بتراكم التجربة، و بقبول القلق المؤقّت الذي يصاحب أي مراجعة صادقة للذات.
في العلاقات الإنسانية، يظهر هذا التوازن بوضوح لافت ، نبحث عن أشخاص يمنحوننا شعور الاستقرار، لكننا نطالبهم في الوقت نفسه بأن يتغيّروا وفق احتياجاتنا المتبدّلة. نغضب من تقلّبهم حين لا يناسبنا، و نضيق بثباتهم حين يذكّرنا بحدودنا و كأننا نريد من الآخر أن يجمع بين الثبات الذي يطمئننا، و التغيّر الذي يخدم رغباتنا، دون أن نعترف بالتناقض الكامن في هذا الطلب.
المجتمعات الكلاسيكية تميل إلى التبسيط الحاد، و إلى فرض ثنائيات جاهزة : إمّا ثابت أو متغيّر، إمّا وفيّ للماضي أو منسلخ عنه .. أما النفس البشرية فهي أكثر تعقيداً من هذه القسمة السطحية ، و هي كيان يتقدّم ببطء، يتعثّر أحياناً و يعيد النظر في نفسه دون أن يعلن ذلك في كل مرة.
لذلك، يبدو الأكثر اتزاناً أقلّ الناس حاجة إلى تبرير مواقفه، لا لأنه بلا موقف .. بل لأنه تصالح مع هذا التوازن الداخلي.
الثابت الذي لا يسمح للمتغيّر بالاقتراب يتحوّل إلى قيد ثقيل، و المتغيّر الذي بلا ثابت يتحوّل إلى تيهٍ دائم ، أما الجمع الواعي بينهما فهو حالة نادرة من السلام الداخلي، لا تأتي دفعة واحدة، و لا تُعلن عن نفسها، لكنها تنعكس في طريقة النظر إلى الحياة، و في القدرة على التقدّم دون إنكار ما مضى، و على التغيّر دون فقدان الذات.
و في زمن يضغط عليك لتكون نسخة واحدة، و رأياً واحداً، و صوتاً واحداً، قد يكون أعمق أشكال النضج الإنساني هو أن تسمح لنفسك بالتغيّر حين يلزم، و أن تثبت حين يجب، دون ضجيج، و دون حاجة إلى تبرير دائم، لأنك ببساطة أدركت أن النفس لا تُدار بالتطرّف، بل بالوعي.

