في وقتٍ كثّفت فيه المملكة العربية السعودية جهودها لاحتواء التوترات في جنوب اليمن وفتح مسارات تهدئة شاملة، برزت مواقف متصلبة لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، وُصفت بأنها تعيق فرص التوافق السياسي وتُفاقم حالة الانقسام، رغم التأكيدات السعودية المتكررة على عدالة القضية الجنوبية وضرورة معالجتها ضمن إطار وطني جامع.
وأكدت المملكة أن القضية الجنوبية تمثل استحقاقاً سياسياً لا يمكن القفز عليه في أي تسوية قادمة، باعتبارها جزءاً أصيلاً من مخرجات الحوار الوطني اليمني وأي عملية سياسية مستقبلية.
وشددت الرياض على أن هذه القضية تعود إلى الشعب الجنوبي بكل مكوناته، ولا يمكن اختزالها في طرف واحد، داعية إلى حلها عبر التوافق، والوفاء بالالتزامات، وبناء الثقة بين اليمنيين كافة.
ومنذ اندلاع الأزمة، قادت السعودية مساعي حثيثة لخفض التصعيد، كان آخرها تحركات هدفت إلى إخراج قوات المجلس الانتقالي من المعسكرات وتسليمها إلى قوات «درع الوطن» في محافظة حضرموت، في إطار ترتيبات أمنية تهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع. غير أن هذه الجهود، بحسب مصادر مطلعة، اصطدمت برفض وتعنت مستمر من قبل الزبيدي.
وتجلّى هذا التعنت بصورة أوضح مطلع يناير الجاري، حين رفض الزبيدي إصدار تصريح لطائرة كانت تقل وفداً رسمياً سعودياً إلى عدن في الأول من يناير 2026، رغم التوافق المسبق على الزيارة ومشاركة قيادات من المجلس الانتقالي فيها، بهدف بحث حلول ومخارج سياسية تخدم المصلحة العامة وتخفف من حدة التوتر.
مراقبون: مكاسب شخصية وراء تعنت الزبيدي
ويرى مراقبون أن الزبيدي يسعى إلى استثمار القضية الجنوبية، التي تحظى بإجماع واسع على عدالتها، لتحقيق مكاسب شخصية وسياسية ضيقة، عبر المزايدة بها وإقصاء المطالب الحقيقية لأبناء حضرموت.
ويُحذّر هؤلاء من أن هذا النهج يُلحق ضرراً مباشراً بالقضية الجنوبية نفسها، ويقوض ما تحقق لها من مكاسب في محطات مفصلية، بدءاً من مخرجات الحوار الوطني الشامل عام 2014، مروراً باتفاق الرياض 2019، وصولاً إلى قرار نقل السلطة عام 2022.
كما اتخذ الزبيدي سلسلة من القرارات الأحادية دون مراعاة لالتزاماته السياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي اليمني. وكان أخطر تلك الخطوات قيادته هجوماً عسكرياً على محافظتي حضرموت والمهرة، رافقته انتهاكات أمنية وترويع للمدنيين، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى من أبناء حضرموت، ما فاقم حالة الاحتقان الشعبي في المحافظة.
وفي سياق استمرار التصعيد، أصدر الزبيدي توجيهات مباشرة بإغلاق حركة الطيران في مطار عدن، في خطوة وُصفت بأنها ألحقت أضراراً مباشرة بالمواطنين اليمنيين، وقوّضت جهود التنسيق السياسي والعسكري والأمني، وشكلت سابقة خطيرة تعكس إصراره على تعطيل مسارات التهدئة، وتقديم مصالحه السياسية والمالية، تنفيذاً لأجندات لا تمت بصلة للقضية الجنوبية.
ويحمّل سياسيون الزبيدي، بصفته رئيس المجلس الانتقالي، مسؤولية مباشرة عن الإجراءات الأحادية وتداعياتها السلبية على مصالح أبناء المحافظات الجنوبية وقضيتهم العادلة، فضلاً عن تعميق الفجوة بينهم وبين أشقائهم في المملكة العربية السعودية، التي ظلت داعماً رئيسياً لليمن واستقراره.
ورغم هذا المشهد، لا يزال الأمل، بحسب متابعين، معقوداً على العقلاء داخل المجلس الانتقالي الجنوبي لتغليب صوت الحكمة، والعودة إلى لغة العقل، والعمل على تحقيق تطلعات اليمنيين في السلام، ونقل البلاد من دوامة النزاعات إلى مرحلة يسودها الأمن والاستقرار والازدهار. وفي هذا السياق، جدد أبناء حضرموت تأكيدهم رفض تواجد قوات المجلس الانتقالي في محافظتهم، مطالبين بخروجها واحترام خصوصية المحافظة وإرادة أبنائها.

