الدكتور محمد حسين سمير – أستاذ الإدارة بجامعة لندن
كثير من الناس اليوم يشتكون من وجودهم في بيئات يصفونها بـ«السامة»، سواء في العمل أو داخل الأسرة، وربما لا تكون المشكلة دائمًا في البيئة ذاتها، بقدر ما هي في اختلاف عميق في طريقة التفكير، أو الحساسية الشعورية، أو منظومة القيم، ومن هنا أطرح مفهومًا أراه ضروريًا في هذا العصر، وأسميه: مهارات الانعزال النفسي.
الانعزال النفسي لا يعني الهروب من الناس أو قطع العلاقات، بل يعني أن تكون حاضرًا جسديًا ومنخرطًا عمليًا، دون أن تكون مستنزفًا نفسيًا، أن تفصل بين ما يحدث حولك، وما تسمح له بالدخول إلى داخلك.
ونحتاج هذه المهارات لأننا في كثير من الأحيان لا نملك رفاهية تغيير العمل أو الأسرة أو المدير أو الزملاء، لكننا نملك دائمًا التحكم في طريقة تفاعلنا النفسي.
أولى هذه المهارات هي إدراك أن ليس كل ما يُقال موجّهًا لك؛ فكثير من السلوكيات ما هي إلا انعكاس لاضطراب أصحابها، لا لتقصيرك، كما أن الفهم لا يعني الموافقة، والاختلاف لا يعني العداء أو التهديد.
من المهم أيضًا إدراك أن طاقتك النفسية هي رأس مالك الحقيقي، وأن استنزافها في صراعات بلا عائد خسارة صامتة، لذلك يأتي ضبط التوقعات كمهارة أساسية؛ فلا تتوقع من الجميع أن يفهمك أو يقدّرك أو يشبهك، فخفض التوقعات يرفع منسوب السلام الداخلي.
وفي العمل تحديدًا، يجب الفصل بين الدور والذات؛ فأنت تؤدي دورًا مهنيًا، ولست مطالبًا بالدفاع المستمر عن شخصيتك أو قيمك. ومن أدوات الحماية كذلك الصمت الواعي؛ فليس كل صمت ضعفًا، بل قد يكون ذكاءً وتوقيتًا وحماية للنفس.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء مسافة نفسية آمنة: تعامل باحترام، لكن دون إفراط في المكاشفة، ولا تفتح مساحتك الداخلية لمن لا يحترمها، وفي الحياة الشخصية، تذكّر أن ليس كل قريب داعم، وليس كل داعم قريب.
في النهاية، الانعزال النفسي ليس ضعفًا، بل نضج، وليس انسحابًا، بل وعي، فقط أريد لك أن تعيش بينهم، دون أن تفقد نفسك.

