عاشت اليونان ساعات من التوتر الشديد صباح أمس الأحد، بعدما تحولت سماؤها فجأة إلى ما وصفه الخبراء بـ”ثقب أسود” للاتصالات.
وبينما كان مراقبو الحركة الجوية في مطار أثينا يوجهون الطائرات نحو المدرج، اختفت فجأة المحادثات اللاسلكية المعتادة وحل محلها “صوت صافرة حاد ومستمر”.
وسرعان ما اتضح للمراقبين أنهم فقدوا الاتصال بمعظم الطائرات داخل المجال الجوي اليوناني، بما في ذلك عشرات الرحلات القادمة، مما أدى إلى تقطع السبل بآلاف المسافرين.
وفي خطوة غير مسبوقة، اضطرت السلطات إلى تعليق الرحلات الجوية القادمة والعابرة للأجواء اليونانية، بعدما تمكن المراقبون من تحديد ترددات لاسلكية قليلة فقط تعمل في البرج، لكنها لم تكن كافية لضمان التواصل الآمن مع الطيارين، مما استدعى تدخلًا من مراقبي الحركة الجوية في الدول المجاورة الذين تواصلوا مع اليونان عبر الهاتف التقليدي نظرًا لتعطل أجهزة الراديو.
لغز العطل
امتد الفشل التقني ليشمل أنظمة الإنترنت التي تعطلت بشكل كامل تقريبًا، لدرجة أن المكتب الصحفي لهيئة الطيران المدني اضطر لقراءة البيانات عبر الهاتف بدلًا من إرسالها بالبريد الإلكتروني.
ورغم استبعاد السلطات فرضية الهجوم السيبراني، إلا أن سبب العطل الذي استمر عدة ساعات وأثر على معظم مطارات البلاد لا يزال مجهولًا، حيث أقر المسؤولون بأن الأنظمة لم يتم إصلاحها تقنيًا بل “عادت للعمل من تلقاء نفسها”.
ونقل أحد المراقبين – مشترطًا عدم الكشف عن هويته – حالة الذهول التي سادت قائلًا إن الاتصالات سقطت فجأة ولم يُسمع سوى الصفير الحاد، مؤكدًا الحاجة الماسة لمعرفة السبب الدقيق لضمان عدم تكرار هذه الكارثة، وهو ما أيده خبير سلامة الطيران فايثون كارايوسيفيديس الذي وصف الوضع بـ”الفوضى”، محذرًا من تبعات كارثية لو حدث هذا “الثقب الأسود” في ذروة الموسم السياحي الصيفي، كما نقلت رويترز.
أجهزة التسعينيات
أعاد هذا الحادث تسليط الضوء بقوة على البنية التحتية المتهالكة للطيران في اليونان، حيث يستخدم المراقبون أجهزة راديو تعود لفترة التسعينيات وسط نقص حاد في الموظفين والفنيين الإلكترونيين رغم الطفرة السياحية التي تجلب الملايين سنويًا.
ويربط الخبراء والنقابات هذا التدهور بآثار أزمة الديون (2009-2018) التي تركت القطاع بتمويل شحيح ومعدات قديمة خلقت “عنق زجاجة” تشغيليًا.
وفي حين دافعت الحكومة اليوم الإثنين عن موقفها مؤكدةً أن عملية التحديث جارية وفق معايير الاتحاد الأوروبي ومن المتوقع اكتمالها في 2028، يرى المنتقدون أن الإصلاح قد يأتي متأخرًا جدًا، خاصةً أن المفوضية الأوروبية أحالت اليونان الشهر الماضي إلى محكمة العدل الأوروبية بسبب فشلها في تنفيذ إجراءات ملاحية لتعزيز السلامة في ظروف الرؤية المنخفضة.
واختتم باناجيوتيس بساروس، رئيس جمعية مراقبي الحركة الجوية اليونانية، المشهد بتصريح حاسم أكد فيه أن السلامة حُفظت بفضل “الخبرة البشرية” فقط، محذرًا من أن العنصر البشري لا يمكنه الاستمرار في تعويض أوجه القصور الهيكلية والأنظمة المتهالكة، في وقت تهدد فيه النقابات بتكرار احتجاجات سبتمبر الماضي التي قيدت خلالها وصول الرحلات الجوية.

