خاص – الوئام
في وقت تتشابك فيه المسارات العسكرية والسياسية داخل السودان، ويخيم الغموض على مآلات الأزمة، تبرز التحركات السعودية باعتبارها أحد أهم مفاتيح إعادة فتح مسار الحل.
زيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى بورتسودان تعكس انتقال الدور السعودي من دائرة الوساطة إلى موقع الفاعل الإقليمي القادر على التأثير في توازنات الأزمة، وفي ظل تراجع ملحوظ للحراك الدولي. وبين مخاطر التقسيم وصمت القوى الكبرى، تتجه الأنظار إلى الرياض بوصفها حجر الزاوية في أي تسوية تحفظ وحدة الدولة السودانية.
زيارة داعمة
في خطوة جديدة لتعزيز الأمن والاستقرار في السودان، استقبل رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الأربعاء في بورتسودان، نائب وزير الخارجية السعودي، وليد بن عبدالكريم الخريجي، لبحث تطورات الأوضاع في البلاد والمنطقة، وجهود إحلال السلام بما يحفظ وحدة السودان ومؤسساته الشرعية.
جاء هذا اللقاء في ظل استمرار الأزمة السودانية التي أثرت على استقرار المنطقة، في وقت تتعاظم فيه المبادرات الدولية لحث الأطراف السودانية على الحوار والتهدئة.
مباحثات السلام والاستقرار
أكد بيان وزارة الخارجية السعودية أن الاجتماع تناول “جهود تحقيق السلام في السودان بما يحقق أمنه واستقراره، ويحافظ على وحدته ومؤسساته الشرعية”، كما بحث الطرفان تطورات الأوضاع في البلاد والجهود المبذولة بشأنها.
وشدد الخريجي على حرص المملكة على عودة الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة الأراضي السودانية بما يحقق تطلعات الشعب.

كما ناقش الاجتماع الترتيبات الجارية لانعقاد “مجلس التنسيق الاستراتيجي” بين السودان والسعودية، والذي يحظى برعاية قيادية من البلدين، ويهدف إلى تعزيز التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.
هذا اللقاء يمثل مرحلة جديدة في الجهود السعودية لدعم الوساطة الدولية لحل الأزمة السودانية، في ظل سعي الرياض لتمكين الحوار بين الأطراف السودانية وإعادة الاستقرار إلى البلاد.
السعودية… دور إقليمي مؤثر
وفي هذا الصدد تقول هبة البشبيشي، أستاذ الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة المصرية لـ”الوئام” تلعب المملكة العربية السعودية اليوم دورًا محوريًا ومؤثرًا في الإقليم العربي والإفريقي، وهو دور لم يعد محل جدل أو إنكار. فالسعودية تحولت إلى فاعل رئيسي في إدارة الأزمات العربية، بفضل ثقلها السياسي والديني، وقدرتها على التأثير في موازين القوى الإقليمية والدولية.
في الأزمة السودانية تحديدًا، تُعد السعودية حجر الزاوية الأساسي في أي مسار سياسي محتمل. فدورها لا يقتصر على كونها طرفًا في “الرباعية الدولية”، بل يتجاوز ذلك إلى كونها دولة قادرة على منح الشرعية والدفع السياسي لأي حل مطروح.
قيادة جديدة ورؤية مختلفة
ترى البشبيشي أن التحول في السياسة السعودية يرتبط مباشرةً بصعود قيادة جديدة تتبنى أفكارًا غير تقليدية، يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. هذه القيادة أحدثت نقلة نوعية في طريقة تعامل المملكة مع القضايا العربية والإفريقية، وأعادت رسم أولوياتها الإقليمية بشكل أكثر استقلالية وتأثيرًا.
اللافت في المشهد الحالي، وفق البشبيشي، هو التقارب الكبير بين الموقفين السعودي والمصري تجاه السودان. هذا التقاطع يمثل تحولًا استراتيجيًا مهمًا، حيث باتت السعودية في “كفة واحدة” مع مصر في القضايا الإفريقية، وهو ما يمنح الموقف المصري زخمًا وشرعية إقليمية قوية، خصوصًا في ما يتعلق بالحفاظ على وحدة الدولة السودانية.
مخاوف من سيناريو التقسيم
وتشير البشبيشي إلى أنه من الملاحظ أن هناك تراجع واضح في الحراك الدولي، سواء من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، وسط صمت مقلق تجاه تطورات الأزمة. هذا الجمود يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، أبرزها الترويج غير المعلن لفصل إقليم دارفور، وهو طرح قديم يتجدد بهدوء دون ضغوط حقيقية لإيقافه.
تقول البشبيشي إن الحديث عن فصل دارفور ليس جديدًا، بل يمتد لأكثر من عقد، مع وجود دعم غير مباشر من أطراف إقليمية ودولية، بعضها يرتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، وعلى رأسها كينيا. هذا السيناريو يشبه نماذج سابقة، مثل “أرض الصومال”، التي انفصلت بهدوء واعترفت لاحقًا بإسرائيل.
تعتقد استاذ العلوم الأفريقية أن المواجهة العسكرية وحدها لن تمنع التقسيم. والمطلوب هو معالجة سياسية وأيديولوجية شاملة تدمج دارفور داخل الدولة السودانية وتفكك الخطاب الانفصالي. دون ذلك، فإن التهديدات العسكرية قد تُسرّع من سيناريو الانفصال بدلًا من منعه.
