لم تكن العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد ضربة لنظام سياسي متهالك، بل رسالة جيوسياسية حادة ومباشرة من واشنطن إلى بكين مفادها “ابقوا بعيدًا عن الأمريكتين”. فبعد عقدين سعت خلالهما الصين لبناء نفوذ استراتيجي في الفناء الخلفي لخصمها اللدود، جاءت عملية الثالث من يناير لتوجه ضربة قاصمة لمصالح بكين وهيبتها في نصف الكرة الغربي.
رسالة ترمب الصريحة
وقد كشفت مصادر مطلعة لرويترز، الإثنين، أن العملية التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية، وأسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته من كاراكاس، كانت تهدف جزئيًا لتقويض الطموحات الصينية.
وعبر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن هذا التوجه بوضوح فج خلال اجتماع مع مديري شركات النفط يوم الجمعة، حيث نقل لهم ما قاله للصين وروسيا: “نحن نتفق معكم جيدًا ونحبكم كثيرًا، لكننا لا نريدكم هناك، ولن تكونوا هناك”.
وأضاف ترمب أنه سيبلغ الصين بأن الولايات المتحدة “مفتوحة للأعمال”، ويمكنهم شراء النفط من أمريكا أو فنزويلا، لكن زمن استخدام الديون للحصول على النفط الفنزويلي الرخيص قد ولى، مشيرًا إلى أن ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات، والذي كان معظمه متجهًا للموانئ الصينية، سيتم تحويله الآن إلى الولايات المتحدة.
فشل التقنية الصينية وحرج التوقيت
وشكلت تفاصيل العملية إحراجًا عسكريًا وتقنيًا لبكين وموسكو، حيث تمكنت القوات الأمريكية بسرعة فائقة من تعطيل أنظمة الدفاع الجوي التي زودت بها الصين وروسيا فنزويلا، بما في ذلك مصفوفات رادار تم الترويج لها مؤخرًا على أنها قادرة على كشف الطائرات الأمريكية المتقدمة.
ويرى محللون أن هذا الفشل التقني دفع دولًا أخرى تمتلك معدات دفاعية صينية للتشكيك في مدى أمانها الفعلي أمام القوة الأمريكية، حيث تدرس الصين حاليًا ما حدث لتلك الدفاعات لمحاولة تحصين أنظمتها الخاصة.
وزاد من حدة الإحراج الدبلوماسي توقيت العملية؛ فقبل ساعات فقط من الإطاحة به، ظهر مادورو في آخر لقاء علني له مع المبعوث الصيني الخاص لأميركا اللاتينية، تشيو شياو تشي، في كاراكاس.
ويشير مسؤولون أمريكيون إلى أن عقد هذا اللقاء أمام الكاميرات، بينما كانت القوات الأمريكية تستعد للانقضاض، يؤكد أن بكين كانت مغيبة تمامًا عن المشهد ولم تتوقع الضربة.
الفجوة بين الخطاب والواقع
ويرى خبراء السياسة الدولية أن اعتقال مادورو كشف عن محدودية قدرة بكين على فرض إرادتها في الأمريكتين، وفضح الهوة الشاسعة بين “خطاب القوة العظمى” للصين و”نفوذها الحقيقي” على الأرض.
ووفقًا لكريغ سينغلتون، خبير الشأن الصيني في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فإن بكين تستطيع الاحتجاج دبلوماسيًا، لكنها عاجزة عن حماية شركائها أو أصولها بمجرد أن تقرر واشنطن ممارسة ضغط مباشر.
وفي المقابل، اكتفت السفارة الصينية في واشنطن بإصدار بيان يرفض ما وصفته بـ “الأعمال الأحادية وغير القانونية والتنمرية”، مؤكدة استمرار صداقتها مع دول المنطقة بغض النظر عن تطورات الوضع.
تداعيات في كوبا وبنما
ولم تقف ارتدادات الزلزال الفنزويلي عند حدود كاراكاس، بل امتدت لتشمل الحلفاء الآخرين للصين في المنطقة. فقد أشار ترمب إلى أن التدخل العسكري الأمريكي في كوبا قد لا يكون ضروريًا، لأن الجزيرة التي تعاني من انقطاع النفط الفنزويلي تبدو “جاهزة للسقوط بمفردها”، رغم الشكوك الأمريكية حول إدارة بكين لعمليات جمع معلومات استخباراتية هناك.
وفي بنما، تواصل واشنطن ضغوطها لإبعاد الشركات الصينية عن عمليات الموانئ حول القناة الاستراتيجية، وهو ما استجابت له بنما بالخروج من مبادرة “الحزام والطريق” والتدقيق في عقود الموانئ الممنوحة لشركات مقرها هونج كونج.
مخاطر استراتيجية محتملة
ورغم التراجع الظاهري للنفوذ الصيني، يحذر بعض المحللين، مثل دانييل راسل من “جمعية آسيا”، من أن التحول الدراماتيكي في واشنطن من نهج “سيادة القانون” إلى منطق “مناطق النفوذ” قد يصب في مصلحة الصين على المدى الطويل.
ويجادل راسل بأن بكين قد تستغل هذا المنطق لدفع واشنطن للقبول بأن آسيا تقع ضمن “منطقة النفوذ الصينية”، خاصة إذا تورطت الولايات المتحدة عسكريًا لفترة طويلة في المستنقع الفنزويلي.

