أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك فتح واحدة من أخطر ملفات الخلاف داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسط تصاعد غير مسبوق للشكوك حول مستقبل الحلف وإمكانية اهتزاز بنيانه، في ظل توتر متزايد في العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.
وأثارت هذه التطورات قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية، خاصة مع تزايد الحديث عن احتمال فك ارتباط واشنطن بالحلف، وعودة سيناريو خروج دول أوروبية كبرى، وعلى رأسها فرنسا، إلى واجهة النقاش السياسي.
وفي هذا السياق، حذر الأمين العام السابق لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، من أن استمرار الولايات المتحدة داخل الحلف لم يعد أمرًا مضمونًا، في ظل الخلافات المتصاعدة مع الشركاء الأوروبيين، مؤكدًا في مقابلة مع صحيفة “شبيغل” الألمانية أن على أوروبا الحفاظ على قنوات الحوار مع واشنطن حتى في أوقات الخلاف، مضيفًا أنه لا أحد يستطيع تقديم ضمانات ببقاء الولايات المتحدة داخل الحلف على المدى الطويل.
وفي تطور لافت، كشفت وسائل إعلام ألمانية أن احتمال خروج فرنسا من الناتو، الذي كان يُعد حتى وقت قريب مستبعدًا تمامًا، بات اليوم مطروحًا للنقاش الجدي داخل الأوساط السياسية الفرنسية، بعدما قدمت نائبة رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، كليمانس غيتّه، المنتمية إلى حزب “فرنسا الأبية” اليساري، مشروع قرار يدعو إلى انسحاب باريس من الحلف، معتبرة أن استمرار عضوية فرنسا في تحالف تقوده قوة “تنتهك القانون الدولي علنًا” قد يجر البلاد إلى صراعات تتعارض مع مصالحها ومبادئها والتزاماتها الدولية، ولا سيما في ظل سياسات واشنطن الأخيرة المتعلقة بفنزويلا وغرينلاند.
وفي ألمانيا، دعا المستشار فريدريش ميرتس أوروبا إلى أن تصبح أكثر استقلالًا من الناحية الاستراتيجية عن الولايات المتحدة، محذرًا من استمرار تهميش القارة في ظل نظام عالمي يشهد تحولات عميقة، ومشيرًا إلى أن واشنطن باتت تبتعد عن النظام الدولي القائم على القواعد وتتجه نحو نهج أكثر اعتمادًا على منطق القوة، مؤكدًا أن على أوروبا وألمانيا تعلم كيفية الدفاع عن مصالحهما إذا أرادتا الحفاظ على مكانتهما الدولية.
وفي المقابل، سعت كندا إلى طمأنة حلفائها، حيث أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني التزام بلاده الكامل بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على الدفاع الجماعي عن أي دولة عضو تتعرض لهجوم، مشددًا على وقوف أوتاوا إلى جانب الدنمارك واستمرار الشراكة داخل الحلف، وأن التزامات بلاده الدفاعية ما زالت سارية وغير قابلة للتشكيك.
وتأتي هذه المواقف في وقت صعد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته، مؤكدًا أن السيطرة على غرينلاند “ضرورية للأمن القومي الأمريكي”، ومهددًا بفرض رسوم جمركية على الدول التي ترفض دعم الموقف الأميركي بشأن الجزيرة، ما زاد من حدة التوتر داخل الحلف وأعاد إلى الواجهة أسئلة مصيرية حول مستقبل الناتو وقدرته على الصمود أمام الخلافات المتصاعدة بين ضفتي الأطلسي.

