في تطور قضائي لافت يعكس تصاعد الجدل حول ملفات الفساد في المحافظات الجنوبية، أصدر النائب العام القاضي قاهر مصطفى، اليوم، القرار رقم (2) لعام 2026، القاضي بتكليف اللجنة القضائية المشكلة بموجب القرار رقم (1) لعام 2026 بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وكافة الجرائم المنسوبة إلى عيدروس قاسم الزبيدي، مع اتخاذ ما يلزم من إجراءات وفقًا لأحكام القانون. ويأتي هذا القرار في ظل مطالب شعبية وإعلامية متزايدة بفتح ملفات مالية وإدارية معقدة ارتبطت باستغلال النفوذ وتداخل السلطة مع المصالح التجارية، وأسهمت – بحسب مراقبين – في تعميق حالة الانقسام السياسي والشعبي في الجنوب.
تشير معطيات التحقيقات والمعلومات المتداولة إلى أن ملف الشركات التجارية يمثل أحد أبرز أوجه الشبهات المثارة. إذ تبرز شركة العربية سنتر للأثاث كإحدى الشركات المنسوبة إلى عيدروس الزبيدي، وهي شركة موثقة رسميًا وتدار – وفق المعلومات – من قبل صهره جهاد الشوذبي، ما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين النفوذ السياسي والإدارة الفعلية للنشاط التجاري. كما تُطرح علامات استفهام مماثلة حول الشركة الأهلية للصرافة، التي تُنسب ملكيتها أيضًا إلى الزبيدي، فيما يتولى إدارتها الصهر ذاته، في صورة يرى متابعون أنها تعكس نمطًا متكررًا لاستخدام الأقارب كواجهات إدارية ومالية.
أما ملف الأراضي والعقارات، فيُعد الأكثر تعقيدًا واتساعًا ضمن القضايا قيد الفحص. فبحسب المعلومات المتداولة، شهدت المنطقة الحرة في عدن استحواذًا على مساحات شاسعة كانت مخصصة كمخازن ومستودعات لميناء عدن، وتمتد من جولة كالتكس في المنصورة حتى محطة الحسوة، حيث جرى توثيق تلك الأراضي باسم جهاد الشوذبي. كما شمل الاستحواذ أراضي مطلة على البحر في جزيرة العمال التابعة لهيئة موانئ عدن، وتم تسجيلها بالاسم ذاته تمهيدًا لتقسيمها وتوزيعها بين الزبيدي ومقربين منه، وفق ما يورده متابعون للملف.
وتتسع دائرة الاتهامات لتشمل منطقة بئر فضل في عدن، حيث جرى الاستحواذ على نحو 100 فدان بعد مساومات وضغوط وُصفت بالقسرية على المالك الأصلي المعروف بـ«الدفيف»، بهدف إقامة مشروع سكني أو بيع الأرض نقدًا. وفي رأس عمران، تتحدث المصادر عن الاستحواذ على ما يقارب 4000 فدان تم تسجيلها باسم محمد قاسم الزبيدي، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا حول قانونية الإجراءات ومصادر التمويل.
ولا تقف هذه الوقائع عند حدود عدن، إذ تشمل أيضًا حوش النقل البري في الشيخ عثمان، الذي جرى تأجيره بمبلغ متدنٍ للغاية، مع استفادة مدير مكتب رئيس المجلس، عماد أبو الرجال، بحسب ما يُتداول. كما طالت عمليات الاستحواذ نحو 1000 فدان في محافظة لحج، جرى توثيقها باسم وسيط لمصلحة الزبيدي، إضافة إلى المعهد الهندسي في التواهي وعدد من الأراضي المجاورة في جبل هيل، رغم تخصيص المعهد لأغراض تعليمية وتأهيلية. كذلك أُثيرت اتهامات بالاستحواذ على الحوش التابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر، بتوجيهات مباشرة من رئيس المجلس، وفق ما تفيده المصادر.
ويرى مراقبون أن قرار النائب العام يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في التعامل مع قضايا الفساد والإثراء غير المشروع، خصوصًا حين تتقاطع مع أسماء نافذة ومواقع حساسة. وبينما يؤكد مختصون قانونيون أن التحقيقات وحدها هي الكفيلة بإثبات أو نفي هذه الاتهامات، يبقى الرأي العام الجنوبي مترقبًا لمسار القضية وما ستسفر عنه من نتائج، في ظل آمال بأن تُفضي إلى محاسبة شفافة تُعيد الاعتبار لمبدأ سيادة القانون.

