برزت المملكة العربية السعودية كقوة اقتصادية رائدة ذات رؤية مستقبلية واضحة؛ فلم يكن حضور المملكة في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام مجرد مشاركة دبلوماسية عابرة، بل رسالة تعكس قدرتها على التأثير في السياسات الاقتصادية العالمية وتعزيز التعاون الدولي.
ويأتي هذا في سياق مرور عشر سنوات على إطلاق رؤية المملكة 2030، التي شكلت خارطة طريق لتحويل الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستدامة والتنمية الشاملة.
المملكة في المنتدى الاقتصادي العالمي
قاد وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان وفد المملكة إلى المنتدى، حيث ركزت المملكة على إبراز دورها كشريك فعال في الحوار الاقتصادي الدولي، وعقدت اجتماعات استراتيجية مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأكاديميا. ويظهر هذا الانخراط الحرص على تعزيز الاستقرار العالمي ورفع مستوى التعاون الدولي في مواجهة التحديات الاقتصادية والتقنية، بما في ذلك الابتكارات في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحيوية.
تزامن المنتدى مع الذكرى العاشرة لرؤية 2030، والتي شكلت نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد الوطني، إذ أصبحت المملكة أكثر اندماجاً في النظام الاقتصادي العالمي. وأوضح وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم أن هذا التحول يعتمد على الإصلاحات الهيكلية المستدامة، وليس على المكاسب الدورية، ما يعكس التزام المملكة بتطوير اقتصاد متنوع ومستدام.
التحول الاقتصادي.. التنوع وتخفيف الاعتماد على النفط
أظهرت بيانات وزارة الاقتصاد والتخطيط أن اعتماد المملكة على النفط في الاقتصاد المباشر وغير المباشر انخفض لأكثر من 90% في مرحلة ما قبل الإصلاحات إلى 68% في 2025. كما أصبح القطاع غير النفطي يشكل 56% من الناتج المحلي الحقيقي، ما يعكس تحولاً حقيقياً في قاعدة الاقتصاد الوطني وتنامي قطاعات جديدة كمحركات للنمو.
وأدى هذا التنوع إلى زيادة معدل النمو في معظم الأنشطة الاقتصادية غير النفطية، إذ سجل 74 نشاطاً نمواً سنوياً يزيد عن 5%، فيما تجاوز 38 نشاطاً نسبة 10% سنوياً. ويؤكد هذا أن المملكة لم تكتفِ بالتنويع الظاهري، بل حققت قفزات نوعية في الإنتاجية وأطلقت محركات نمو جديدة تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وزيادة فرص العمل.
القطاعات الصناعية والتكنولوجية.. رؤية مستقبلية واضحة
أكد وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف على قوة المملكة في الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والبتروكيماويات والمعادن، مع التركيز على استراتيجية صناعية مستقبلية. وتولي المملكة أهمية كبيرة لتبني التكنولوجيا، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم، ضمن إطار يركز على تحسين الكفاءة وزيادة القدرة التنافسية، دون التسبب في اضطرابات عشوائية في سوق العمل.
وفي السياق ذاته، يواصل القطاع الصناعي دعم التوسع في مشاريع مبتكرة تسهم في تطوير القدرات الوطنية وتعزيز الصادرات، ما يعكس توازناً بين استغلال الموارد الطبيعية والانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
القطاع السياحي.. محرك اقتصادي متنامٍ
شهد القطاع السياحي نمواً غير مسبوق في المملكة، إذ بلغ عدد السياح المحليين والدوليين 122 مليون زائر في 2025، مقارنة بـ116 مليون في العام السابق، من بينهم 30 مليون زائر أجنبي. وارتفعت قيمة الإنفاق السياحي إلى 300 مليار ريال سعودي، مقارنة بـ281 مليار في 2024، ما يعكس دور السياحة المتزايد في دعم النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وتسهم المبادرات السياحية في تعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية متميزة، مع التركيز على تطوير البنية التحتية والفعاليات الثقافية والترفيهية، بما يعزز جودة الحياة ويحفز النمو الاقتصادي في مناطق متعددة من المملكة.
التوجه نحو التنمية المستدامة
أعلنت المملكة عن إطلاق مؤشر جودة الحياة في المدن، كأول مبادرة من نوعها عالمياً، بهدف تقديم إطار متعدد الأبعاد قائم على البيانات لتقييم وتحسين جودة الحياة الحضرية. وقد أبدت أكثر من 121 مدينة اهتمامها بالانضمام للمؤشر، فيما تأهلت 17 مدينة للمرحلة الأولى، في خطوة تعكس حرص المملكة على قياس التنمية بما يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي وتحسين رفاهية السكان.
وتأتي هذه المبادرة في إطار برامج جودة الحياة التي تعكس التزام المملكة بتعزيز الاستدامة والشمولية في التخطيط الحضري، وربط التنمية الاقتصادية بالارتقاء بجودة الحياة لجميع المواطنين والمقيمين.
الثقة بالاقتصاد السعودي
أشادت المؤسسات الدولية بقدرة المملكة على التكيف مع المتغيرات العالمية، حيث أثنت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بمرونة القطاع الخاص السعودي وجهود التنويع الاقتصادي التي تقلل الاعتماد على النفط وتدعم القطاعات الخدمية والمالية والسياحية وريادة الأعمال. كما رحبت بفتح مكتب للصندوق في الرياض، ما يعكس ثقة المجتمع الدولي بإصلاحات المملكة وقدرتها على نقل خبراتها الاقتصادية عالميًا.
وقد رفعت التوقعات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي معدل نمو المملكة لعام 2026 إلى حوالي 4.5%، مدفوعة بزيادة الإنتاج النفطي، وقوة الطلب المحلي، واستمرار الزخم في الإصلاحات الهيكلية.
المملكة شريك عالمي مؤثر
من خلال مشاركتها الفاعلة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أظهرت المملكة أنها لم تعد تُعرف فقط بمواردها النفطية، بل أصبحت دولة رائدة في الإصلاحات الاقتصادية، والتخطيط المؤسسي، والمساهمة في الحلول الاقتصادية العالمية.
وفي زمن يتطلب الحوار والقدرة على التكيف والرؤية طويلة الأمد، تبرز السعودية ليس فقط كمشارك، بل كشريك فاعل يسهم في تشكيل المستقبل الاقتصادي العالمي.

