في مشهد مهيب على قمم جبال طويق، غرب العاصمة الرياض، تجري حاليًا فصول رحلة عمل كبرى لا تتوقف، واضعةً نصب عينيها هدفًا استراتيجيًا واحدًا: تحويل “القدية” من مجرد مخططات طموحة إلى واقع ملموس يعيد تعريف مفاهيم الترفيه والرياضة والثقافة على مستوى العالم.
“المزيد يتشكل.. وما زلنا في أول الطريق”، عبارة دقيقة تلخص الحراك الدائر وفق جدول زمني صارم، تمضي من خلاله “عاصمة الترفيه والرياضة والثقافة المستقبلية” عبر ثلاث موجات تنفيذية متتابعة، لتصل عند اكتمال صورتها النهائية في عام 2034 إلى أرقام فلكية، تستهدف استقبال 48 مليون زائر سنويًا، وخلق 325 ألف فرصة عمل نوعية، وضخ ما يقارب 135 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.
كيف ستصبح القدية في 2034؟
تفاصيل الجدول الزمني لهذه المدينة الحلم، تكشف عن موجات ثلاث ستنقل الزوار من لحظة “التشويق” الأولى التي انطلقت فعليًا، وصولًا إلى “اكتمال الأسطورة” في 2034.

الموجة الأولى.. هندسة الإثارة وتدشين الوجهات
تؤسس القدية انطلاقتها الفعلية عبر “الموجة الأولى” التي تمتد من عام 2025 وحتى 2028. هذه المرحلة لم تعد حبرًا على ورق، بل واقعًا ملموسًا بدأ مع الافتتاح الرسمي لمدينة “6 فلاجز القدية” في 31 ديسمبر 2025، لتصبح باكورة الوجهات الترفيهية التي فتحت أبوابها للجمهور.
لا يقدم هذا المشروع نفسه كمدينة ملاهٍ تقليدية، بل كوجهة لكسر قوانين الجاذبية. تضم المدينة “رحلة الصقر”، التي بدأت بالفعل في استقبال المغامرين لتسجل رسميًا كأعجوبة هندسية هي الأسرع والأطول والأعلى في العالم.
تنطلق هذه الأفعوانية بسرعة جنونية تتجاوز 250 كيلومترًا في الساعة، مانحة الركاب تجربة تحاكي الانقضاض الحر من قمم الجبال الشاهقة، في تجربة صُممت لتكون المعيار الجديد لصناعة الترفيه دوليًا.
وبالتوازي مع الإثارة الجوية، تضع القدية لمساتها الأخيرة على قطاع الترفيه المائي؛ حيث أعلنت إدارة المشروع أن “متنزه أكواريبيا” قد تجاوزت نسبة إنجازه 95%، ومن المقرر افتتاحه رسميًا واستقبال الزوار خلال العام الجاري 2026، ليكون أول متنزه ترفيهي مائي من نوعه في المملكة.
يضم المشروع 22 لعبة وتجربة متنوعة، ويتفرد عالميًا بدمج البيئة الصحراوية مع التجربة المائية، مقدمًا ابتكارات حصرية تشمل أول رحلة غوص تحت الماء داخل متنزه ترفيهي، ومناطق مخصصة لركوب الأمواج.
وتكتمل ملامح الموجة الأولى بتلبية شغف عشاق السرعة والمحركات، من خلال إنشاء “مضمار السرعة”.
صُمم هذا المضمار وفق أعلى معايير الاتحاد الدولي للسيارات (FIA) ليكون قادرًا على استضافة سباقات الفورمولا والبطولات العالمية، متميزًا بمنعطفاته التي تعانق التضاريس الجبلية وتوفر تجربة مشاهدة غير مسبوقة.
وفي الجانب الإبداعي، تخصص القدية مساحات واسعة لصناعة المحتوى عبر “ستوديوهات بلاي ميكر”، التي ستكون حاضنة للمواهب والإنتاجات الإبداعية، مدعومة ببنية تحتية سياحية ورياضية تشمل مركز التنس الوطني، وملاعب جولف عالمية، وافتتاح 15 فندقًا فاخرًا لاستيعاب الأفواج الأولى من الزوار.

الموجة الثانية.. ثورة المنشآت الرياضية والثقافية
مع اقتراب نهاية العقد، تنتقل القدية في موجتها الثانية (2028 – 2030) من التركيز على الترفيه الصرف إلى ترسيخ مكانتها كقوة ثقافية ورياضية عالمية، في خطوة تحضيرية كبرى لاستضافة الأحداث العالمية الضخمة.
جوهرة هذه المرحلة بلا منازع هو “ستاد الأمير محمد بن سلمان”، التحفة المعمارية التي تتجاوز مفهوم الملاعب التقليدية.
سيتم تشييد هذا الصرح على حافة جبل طويق بارتفاع 200 متر، ليوفر إطلالة بانورامية تدمج بين صلابة الصخر وحداثة التصميم. بسعة جماهيرية تصل إلى 46 ألف متفرج، يقدم الاستاد نفسه كأول ملعب “متحول” تقنيًا في العالم؛ حيث يتميز بأرضية وسقف وسور علوي قابلة للطي والسحب، مما يسمح بتكييفه مع مختلف الأحداث والمناخات، ليصبح المقر الرسمي المستقبلي لقطبي العاصمة “الهلال” و”النصر”، ويضيف بعدًا جديدًا للمنافسات المحلية والدولية، مع استهداف افتتاحه بنهاية 2029.
وعلى الصعيد الثقافي، تدشن القدية “مركز الفنون الأدائية”، ليكون أول معلم ثقافي بارز في المدينة ومنارة للإشعاع الفني.
يضم المركز ثلاثة مسارح بسعة إجمالية تصل إلى 2400 مقعد، وتستهدف خططه التشغيلية استضافة 260 عرضاً سنوياً تتنوع بين الفنون المسرحية والموسيقية الأوبرالية، مما يجعله قبلة للمثقفين والفنانين.
وفي قطاع اقتصاد المستقبل، تبرز “أرينا الرياضات الإلكترونية” كحجر الزاوية في “منطقة الألعاب والرياضات الإلكترونية” الضخمة، التي تمتد على مساحة 500 ألف متر مربع.
المنطقة مجهزة بأربع صالات متخصصة لاستضافة البطولات العالمية، وتستهدف جذب 10 ملايين زيارة سنويًا، مما يعكس الرهان السعودي الكبير على هذا القطاع الصاعد الذي يمثل لغة الشباب العالمية. وتواكب هذه التوسعات زيادة مطردة في مرافق الضيافة لاستيعاب النمو المتزايد في أعداد الزوار والمقيمين الدائمين.

الموجة الثالثة.. اكتمال الصورة واستقبال العالم
تصل القدية إلى ذروة تطورها في السنوات الأخيرة التي تسبق عام 2034، وهي مرحلة “الموجة الثالثة” المخصصة لوضع اللمسات النهائية على المدينة المتكاملة.
في هذه المرحلة، لا تكون القدية مجرد مشروع قيد الإنشاء، بل مدينة نابضة بالحياة وجاهزة لاستقبال الحدث الأبرز عالمياً: كأس العالم 2034.
خلال هذه الفترة، يكتمل عقد معظم الأصول الرياضية لتتحول القدية إلى مركز رياضي عالمي يضم أحدث المرافق المخصصة للتدريب والمنافسات. وبالتوازي، تصل “منطقة الألعاب والرياضات الإلكترونية” إلى مرحلة النضج الكامل، حيث تتحول المنطقة إلى مقر إقليمي لـ 30 شركة رائدة عالميًا في مجال تطوير الألعاب، وموطنًا لـ 25 ناديًا للرياضات الإلكترونية من جميع أنحاء العالم، لتكرس الرياض كعاصمة عالمية لهذا القطاع.
وتُتوج هذه الجهود باستكمال منظومة الضيافة والترفيه عبر إضافة المزيد من المتنزهات والفنادق لتصل الطاقة الاستيعابية للمدينة إلى حدها الأقصى، استعدادًا لتحقيق الأرقام المستهدفة في الرؤية الشاملة للمشروع والمتمثلة في الـ 48 مليون زائر سنويًا.
وبانتهاء هذه الموجة، تكون القدية قد أوفت بوعدها، متحولة من قمم جبلية صامتة إلى منصة عالمية تضج بالحياة، وتكتب فصلًا جديدًا في قصة التحول السعودي.

