لم ترحل ثريا قابل وحدها، رحلت ومعها تلك المسافة الغامضة بين الحضور والغياب، المسافة التي كانت تعرفها جيدًا، وتكتبها بلا مواربة “توحشني وانت بجنبي.. واشتاق لك لو تغيب”، كأنها منذ وقتٍ مبكر كانت تُدرّب القصيدة على الفقد، وتعلّمها أن الشوق لا يحتاج سببًا، ولا ينتظر رحيلًا.
ثريا، ابنة جدة وحارة المظلوم، التي غيبها الموت صباح اليوم الأربعاء عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد معاناة مع المرض في أحد مستشفيات مدينة جدة، لم تكن صوتًا عاطفيًا فقط، بل وعيًا شعريًا سبق زمنه، كتبت عن الانكسار لا بوصفه نهاية، بل أثرًا باقياً، مثل ذاكرة لا تُمحى “واليومَ ما غيرُ الحطام.. ظلَّ لنا من أمسنا.. ذاك الذي حفلتْ سويعاتُهُ”، فتحوّل الحنين في نصوصها من بكاءٍ على الماضي، إلى تأملٍ حاد في هشاشة اللحظة الإنسانية، وفي ما يبقى بعد أن تمضي الأشياء.
وحين يضيق المعنى، كانت تترك للشوق جناحين “يا شوق يا شوق.. طير بيه وروح”، ليهرب من ثقل الواقع إلى اتساع الإحساس، ففي قصائدها، الحب ليس ترفًا لغويًا، بل فعل تراكم، يكبر بصمت، ويعلو دون ضجيج “يكفي إني فيك بافكر.. كل ماله حبي يكبر.. اش فيه أكتر من دا كله.. يا حبيبي اش فيه أكتر ما في اكتر”.
هكذا كانت ثريا، بسيطة في مفردتها، عميقة في أثرها، تقول الجملة كما تُقال في القلب، لا كما تُصاغ في القواميس، وتترك للصدق مهمته كاملة،
عام 1963، حين أصدرت ديوانها “الأوزان الباكية” في بيروت، لم تكن تطبع كتابًا فحسب، بل كانت تفتح بابًا مغلقًا. كان أول ديوان شعري فصيح تصدره امرأة سعودية باسمها الصريح، خطوة جريئة في زمنٍ لم يكن يتسامح مع هذا الحضور. شكّل الديوان محطة مفصلية في تاريخ الأدب السعودي، ومزج بذكاء بين الفصحى والعامية الحجازية، بلغةٍ صادقة، وصورٍ شعرية نابعة من تجربة إنسانية حقيقية لا متكلّفة.
ومن القصيدة إلى الأغنية، ظل صوتها حاضرًا؛ مهندسةً لوجدان الأغنية الحجازية، تكتب الشجن كما يُعاش، وتترك للكلمة أن تُغنّى دون أن تفقد عمقها.
اليوم، تغيب ثريا قابل، ويظل صوتها معلقًا بين سطرٍ وآخر، كما أحبّت دائمًا، لا حاضرًا بالكامل ولا غائبًا تمامًا، كأنها تترك السؤال مفتوحًا، بلا إجابة قاطعة، وتغادر “عمرك سمعت..عمرك سمعت يا حبيبي.. الدهر يعطي لكل واحد ما يود؟.. ولا عاشق عشق يقدر يصد؟” تمضي، وتترك لنا هذا الاستفهام الثقيل، الذي يشبهها، سؤالًا عن العدل، عن الحب، عن القدر، لا يريد جوابًا بقدر ما يريد أن يُسمَع، رحلت الجسد، وبقي الصوت، وبقيت القصيدة تمشي وحدها وتعرف طريقها جيدًا وكأن لسان حالها يقول من كتب الشوق بهذا الصفاء، لا يذهب بعيدًا.

