غيب الموت صباح أمس الأربعاء “صوت جدة” الحزين، الشاعرة السعودية الرائدة ثريا قابل، عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد معاناة مع المرض في أحد مستشفيات مدينة جدة. وقد نعتها الأوساط الثقافية والإعلامية بوصفها أيقونة الشعر الحجازي، حيث تُقام الصلاة عليها في المسجد الحرام بمكة المكرمة، على أن تورى في مقبرة المعلاة، لتعود ابنة “حارة المظلوم” إلى جوار أسلافها في البقاع المقدسة.
ابنة “المظلوم” وتجارة الكلمات
ولدت ثريا محمد قابل عام 1940 في “حارة المظلوم” بجدة التاريخية، ونشأت في بيت تجاري عريق، حيث كان والدها من أعيان جدة.
فقدت والدها وهي طفلة، فتولت عمتها “عديلة” رعايتها، وهي الشخصية التي شكلت وجدانها القوي ومنحتها الحرية في التعبير والتعليم، في زمن كان تعليم الفتيات فيه محدودًا.
تقلت ثريا تعليمها الابتدائي في جدة، ثم انتقلت إلى بيروت، حيث أكملت دراستها الثانوية في الكلية الأهلية، لكن “مدرسة الحياة” في أزقة جدة القديمة كانت المعلم الأول لقاموسها الشعري الفريد.
ثورة “الأوزان الباكية”.. أول اسم صريح
في عام 1963، فجرت ثريا قابل مفاجأة ثقافية بإصدارها ديوان “الأوزان الباكية”، ليكون أول ديوان شعري نسائي يُطبع في المملكة العربية السعودية ويحمل “الاسم الصريح” لمؤلفته، متجاوزةً عُرف الكتابة بأسماء مستعارة (مثل “فتاة الجزيرة” أو “بدوية”). وقد طبع الديوان في بيروت، وحظي بدعم واهتمام أدبي كبير، ومثّل وثيقة جرأة أدبية مهدت الطريق لأصوات نسائية كثيرة بعدها.

مهندسة الأغنية الحجازية
لم تكتفِ ثريا بالفصحى، بل نقلت نبض الشارع الحجازي إلى الأغنية، وشكلت ثنائية فنية تاريخية مع الراحل فوزي محسون.
من أشهر أعمالها الخالدة أغنية “من بعد مزح ولعب” التي تغنى بها طلال مداح ثم عبادي الجوهر وماجد المهندس، وأغنية “بشويش عاتبني”.
وقد تميزت قصائدها الغنائية بالسهولة الممتنعة والصدق العاطفي الذي جعلها قريبة من الوجدان الشعبي، حتى لقبت بـ “خنساء القرن العشرين” لشجن مفرداتها. تعاونت أيضًا مع محمد عبده في روائع مثل “لا وربي”.
صحفية برتبة “رئيس تحرير”
إلى جانب الشعر، كانت ثريا قابلة صحفية شرسة وكاتبة رأي لا تُهادن. شغلت منصب رئيسة تحرير مجلة “زينة” في الثمانينيات، وكتبت زوايا يومية وأسبوعية في صحف “عكاظ” و”الرياض” (زاوية “مرفأ بلا شطآن” وزاوية “رأى”). واتسم قلمها بالجرأة في طرح القضايا الاجتماعية، والدفاع عن حقوق المرأة، ونقد الظواهر السلبية في المجتمع بأسلوب مباشر لا مواربة فيه.
التكريم والرحيل
نالت الراحلة تكريمات عدة خلال مسيرتها، أبرزها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى عام 2006 تقديرًا لريادتها الأدبية.
وبرحيلها اليوم، تطوي المملكة صفحة ناصعة من تاريخها الثقافي، لامرأة امتلكت شجاعة “الكلمة الأولى”، وحفرت اسمها في ذاكرة الأغنية والقصيدة والصحافة السعودية للأبد.

