شهدت مدينة جدة تحولات كبيرة في الموسمين الأخيرين (2024-2026)، إذ أضحت مختبرًا ماليًا وفنيًا شديد التعقيد يتجاوز دورها السابق كوجهة لنجوم الكرة العالمية. يخوض قطبا المدينة، الاتحاد والأهلي، منافسة صامتة تعتمد على المستقبل والبحث عن المواهب الشابة.
تكشف تحركات ميركاتو الأندية في جدة عن تغيير في العقيدة الاستثمارية للناديين، جاء استجابة للوائح رابطة الدوري السعودي للمحترفين التي اشترطت تسجيل لاعبين أجنبيين من مواليد 2003 فما فوق.
هذه اللوائح دفعت الأندية للدخول في سباق جديد يركز على الاستثمار في أصول المستقبل واقتناء اللاعبين الشباب الواعدين، إذ تشير الدلائل إلى أن كلا الناديين قد أبرما ما بين 5 إلى 6 صفقات محورية للاعبين في هذه الفئة العمرية، ولكن الفوارق في التنفيذ كانت شاسعة.
الحوكمة المالية وصندوق الاستثمارات العامةمع استحواذ صندوق الاستثمارات العامة على 75% من ملكية الأندية الأربعة الكبار (بما فيهم الاتحاد والأهلي)، فرضت معايير صارمة للحوكمة. لم تعد الأندية قادرة على تكديس الديون. المدير التنفيذي لنادي الاتحاد، دومينجوس أوليفيرا، القادم من تجربة نادي بنفيكا البرتغالي العريقة في الاستثمار، صرح بوضوح أن النادي يُدار الآن بعقلية “الشركة” التي تسعى للربحية.
صفقات الاتحاد الشبابية
نفذ الاتحاد ما يقارب 5-6 صفقات نوعية في فئة تحت 21 سنة، تميزت جميعها بـ “الذكاء المالي”. فعلى سبيل المثال بدلاً من دفع مبلغ ضخم (20 مليون يورو مثلاً) لشراء ظهير أيسر جاهز، توجه الاتحاد نحو الدوري الروسي. تعاقد مع الألباني ماريو ميتاي (21/22 سنة) بنظام الإعارة من لوكوموتيف موسكو. بتكلة 1.2 مليون يورو فقط رسوم إعارة. وخيار الشراء بـ 5 ملايين يورو.

الاتحاد حصل على لاعب دولي أساسي، شاب، ويمتلك خصائص فنية عالية، بتكلفة أولية لا تذكر. إذا فشل اللاعب، يعود لناديه دون خسائر تذكر. إذا نجح (وهو ما حدث)، يشتريه الاتحاد بـ 5 ملايين، بينما قيمته السوقية قد تكون تضاعفت لـ 10 أو 15 مليونا.
ثاني تلك الصفقات هو تعاقد الاتحاد مع الصربي يان كارلو سيميتش (Jan-Carlo Simić) (19-20 سنة) قادماً من أندرلخت البلجيكي (ومؤسس في أكاديمية ميلان). الصفقة تمت بتكلفة حوالي 15-20 مليون يورو (الحزمة الكاملة)، وبعقد ممتد حتى 2029.

الاستثمار في قلب دفاع بسن الـ 19 هو استثمار في “أصل ثابت”. سيميتش ليس مجرد لاعب، بل هو خليفة لأحمد حجازي لسنوات قادمة. تكلفته تعتبر معقولة جداً مقارنة بأسعار المدافعين في السوق (مثل دي ليخت أو جفارديول). كما أن راتبه أقل بكثير من المدافعين المخضرمين.
الصفقة الأبرز والأجرأ كانت الجناح البرتغالي روجر فرنانديز (19 سنة) من سبورتينغ براغا، بتكلفة 32 مليون يورو. ومع أن المبلغ قد يبدو المبلغ كبيراً، لكن فرنانديز يُصنف كأحد أبرز المواهب الصاعدة في أوروبا. الاتحاد اشترى “مشروع نجم عالمي”. إذا تطور فرنانديز كما هو متوقع، فإن بيعه مستقبلاً قد يدر على الخزينة الاتحادية ما يتجاوز الـ 60 مليون يورو، خاصة مع صغر سنه ومركزه الحساس كجناح مهاري.
في انتقالات يناير حاول الاتحاد استكمال هذه المسيرة بضم الثنائي جورج إيلينيخنا لاعب فريق موناكو الفرنسي صاحب الـ19 عاما مقابل 33 مليون يورو حسب التقارير وكان قريب من التعاقد مع البرتغالي غوستافو سا لاعب فريق فاماليكاو البرتغالي إلا أن الطرفين لم يصلا لاتفاق يقضي بانتقال اللاعب.
ولم يكتفِ الاتحاد بالصفقات الكبرى، بل قام بحراك هادئ عبر جلب لاعبين مثل:
– ريكاردو كارابالو – مهاجم (21 سنة).
– إساياس رودريغيز – ظهير (20 سنة).
هؤلاء اللاعبين تم تسجيليهم هؤلاء وإعارتهم لأندية مثل “نادي جدة” أو دمجهم في الفئات السنية. التكلفة هنا تكاد تكون معدومة مقارنة بالصفقات الكبرى، لكنها توفر عمقاً استراتيجيا وخيارات طوارئ، أو فرصاً للبيع لاحقاً لأندية الوسط.
الاتحاد في قائمته يمتلك 5 لاعبين أجانب ما بين 19 عاما لـ22 عاما كل من سميتش صاحب الـ20 عاما – ماريو ميتاي صاحب الـ22 عاما – محمد دومبيا صاحب الـ21 عاما – رودريغو فيرنانديز صاحب الـ20 عاما – جورج إلينيخينا صاحب الـ19 عاما.
النتيجة؛ تخفيض فاتورة الأجوربفضل هذه الاستراتيجية، نجح الاتحاد في موازنة فاتورة أجوره. بينما يتقاضى بنزيما وكانتي رواتب فلكية، فإن معدل رواتب الخماسي الشاب (ميتاي، سيميتش، فرنانديز، كارابالو، رودريغيز) يعتبر منخفضاً جداً. هذا سمح للنادي بالبقاء ضمن حدود اللعب المالي النظيف وتوفير سيولة للتطوير الإداري.
وعلى الضفة الأخرى من جدة، يظهر النادي الأهلي كـ “عملاق نائم” يحاول الاستيقاظ بسرعة فائقة، مستخدمًا المال كمحفز رئيسي، لكنه يصطدم بجدار عدم الاستقرار الإداري. الأهلي دخل السوق بقوة، لكن استراتيجيته افتقرت للتماسك الذي ميز غريمه.
لم يبحث الأهلي عن “الصفقات الذكية” بقدر ما بحث عن “الجودة المضمونة”، مما رفع تكلفة التأسيس بشكل هائل. أبرم الأهلي حوالي 5-6 صفقات لشباب، لكن بأسعار “أوروبية” كاملة.
تعاقد الأهلي مع الفرنسي فالنتين أتانغانا (20 سنة) من ستاد ريمس. الصفقة جاءت بتكلفة 25 مليون يورو. ورغم موهبة اللاعب، لكن دفع 25 مليون يورو في محور ارتكاز شاب يعتبر “سعراً كاملاً”. لا يوجد “خصم” أو “صفقة فرصة” هنا. الأهلي دفع ما تطلبه الأندية الأوروبية الكبرى، مما يضع ضغطاً فورياً على اللاعب لتقديم أداء يوازي سعره.

ركز الأهلي بوصلته نحو البرازيل بشكل مكثف:
– ماثيوس غونسالفس جناح فلامنغو (20 سنة) بـ 9 ملايين يورو.
-ريكاردو ماتياس (مهاجم إنترناسيونال (19 سنة) بـ 10 ملايين يورو.
لكن إنفاق ما يقارب 20 مليون يورو على موهبتين من الدوري البرازيلي هو رهان “عالي المخاطر”. تاريخياً، يحتاج اللاعبون اللاتينيون الصغار لوقت طويل للتأقلم (كما حدث مع فينيسيوس ورودريغو في ريال مدريد). الأهلي، بجمهوره المتعطش، قد لا يمنحهم هذا الوقت، مما يهدد بحرق هذه الاستثمارات.
رغم أنه يبلغ 23 عاماً (أكبر قليلاً من الفئة المستهدفة)، إلا أن صفقة إنزو ميلوت (30 مليون يورو) تندرج ضمن سياق “تشبيب الفريق”. هذه الصفقة أكدت أن الأهلي لا يمانع دفع مبالغ طائلة (مجموع صفقات الشباب تجاوز 75 مليون يورو) دون النظر للعائد الاستثماري السريع، وهو ما يرهق ميزانية النادي ويعرضه لمخاطر اللعب المالي النظيف محلياً.
ويمتلك الأهلي ضمن صفوف 4 لاعبين أجانب ما بين19 لـ21عاما كل من : ماتيو دامس صاحب 21 عاما القادم من أيندهوفن في يناير العام الماضي – فالنتين أتانغانا صاحب الـ20 عاما – ماتيوس غونسالفيس صاحب الـ20 عاما – ريكاردو ماثياس صاحب الـ20 عاما أي يستطيع يستثمر في هؤلاء اللاعبين سواء من الناحية المادية أو الفنية.

الاتحاد والأهلي يسيران في طريقين متوازيين نحو هدف واحد. الاتحاد يقدم اليوم النموذج الأمثل لـ “الاستثمار الرياضي الحديث” في المملكة. إنه يتبع استراتيجية “التراكم”؛ بناء طبقة فوق طبقة، مستخدماً الذكاء المالي، الإعارات، والكشافين المحترفين لتقليل التكلفة ورفع الجودة. إنه مشروع “لا يلمع فوراً” كبريق الذهب، لكنه صلب ومستدام كالماس.
النادي الأهلي يتبع استراتيجية “القفزات”؛ محاولة اختصار الزمن بالمال. هذا النموذج قد ينجح في جلب الكؤوس إذا تأقلم اللاعبون بسرعة.
وبحلول عام 2026، ومع اقتراب كأس العالم 2034، ستكون هذه الصفقات الشابة هي العمود الفقري للدوري السعودي.
تشير التوقعات إلى أن الاتحاد، بفضل استقراره الهيكلي وصفقاته المدروسة (مثل سيميتش وفرنانديز)، سيكون في وضع أفضل “لبيع” عقود هؤلاء اللاعبين بمبالغ فلكية أو الاعتماد عليهم لسنوات، محققاً بذلك رؤية الاستدامة.
أما الأهلي، فعليه تدارك وضعه الإداري سريعاً، وإلا فإن “فالنتين أتانغانا” ورفاقه قد يكونون مجرد أسماء عابرة في تاريخ النادي، ودرساً باهظ الثمن في كيفية “عدم” إدارة ملفات الاستثمار الرياضي.

