أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، اليوم الجمعة، القرار الجمهوري رقم (3) لسنة 2026، بشأن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة وتسمية أعضائها، بعد إقرار التشكيلة برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الذي سيتولى منصب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين، في خطوة وُصفت بأنها إعادة صياغة لبنية السلطة التنفيذية على أسس الكفاءة والتوازن المناطقي والاجتماعي.
وجاء القرار استنادًا إلى دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية الموقعتين في 23 نوفمبر 2011، وقرار إعلان نقل السلطة رقم (9) لسنة 2022، وقرار تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 7 أبريل 2022، إضافة إلى القانون رقم (3) لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس المجلس رقم (17) لسنة 2026 بتكليف الدكتور الزنداني بتشكيل الحكومة.
وتحمل الحكومة الجديدة دلالات سياسية وإدارية لافتة، إذ منحت المحافظات الجنوبية حصة بارزة من الوزارات السيادية والإيرادية، في مؤشر على توجه لإعادة توزيع مراكز القرار التنفيذي والمالي، وتعزيز الشراكة في إدارة الملفات الحساسة، خاصة الدفاع والداخلية والمالية والخارجية، بما يعكس محاولة لبناء صيغة توازن وطني أوسع داخل مؤسسات الدولة.
تركيز على الكفاءات والتوازن الاجتماعي
وبحسب معطيات التشكيل، حرص رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني على ترشيح شخصيات ذات خبرات مهنية وأكاديمية وإدارية ممتدة، مع تقليل الاعتبارات الحزبية الضيقة، والاتجاه نحو اختيار كفاءات وطنية بغض النظر عن توجهاتها السياسية، إلى جانب السعي لتحقيق توازن اجتماعي ومناطقي بين مختلف المحافظات.
ويظهر في التشكيل حضور لافت لخبرات دبلوماسية وعسكرية وإدارية مخضرمة، إلى جانب عناصر شابة صاعدة، في محاولة للجمع بين الخبرة المتراكمة وروح التجديد، وهو ما يُنظر إليه كأحد ملامح إعادة بناء الجهاز التنفيذي على أسس مؤسسية.
حضور نسائي هو الأول منذ 2014
ومن أبرز ملامح الحكومة الجديدة مشاركة المرأة في التشكيل الوزاري لأول مرة منذ عام 2014، مع إسناد حقائب ذات ثقل، من بينها وزارة التخطيط والتعاون الدولي، إلى جانب تعيين وزيرة دولة لشؤون المرأة، في خطوة تعكس توجهًا رسميًا نحو تعزيز دور المرأة في الإدارة وصناعة القرار.
ويُعد تعيين وزيرة لشؤون المرأة رسالة سياسية واجتماعية واضحة بتقدير دور المرأة اليمنية باعتبارها نصف المجتمع، والتأكيد على أهمية مشاركتها في رسم السياسات العامة والبرامج التنموية، وعدم حصر دورها في الأطر الاستشارية فقط، بل إشراكها في مواقع تنفيذية مباشرة.
رئيس الحكومة: مسار دبلوماسي طويل وخبرة تفاوضية
يتولى رئاسة الحكومة الدكتور شائع محسن الزنداني، وهو من جيل الدبلوماسيين اليمنيين الذين جمعوا بين التأهيل الأكاديمي والعمل المهني الطويل في السلك الخارجي لأكثر من أربعة عقود. وُلد في مديرية جحاف بمحافظة الضالع عام 1954، وبدأ نشاطه العام مبكرًا عبر العمل الطلابي والمنظمات الوطنية، قبل أن يلتحق بالعمل الدبلوماسي.
شغل الزنداني مناصب سفير فوق العادة ومفوض في عدد من العواصم المؤثرة، بينها لندن وروما وعمّان والرياض، ومثل اليمن لدى منظمة التعاون الإسلامي ومنظمات الأمم المتحدة في روما وجنيف، واكتسب خبرة واسعة في إدارة العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، وبناء الشراكات الاقتصادية والتنموية.
كما تولى مهام نائب وزير الخارجية، وشارك في ملفات مفصلية منذ قيام الوحدة اليمنية، وقاد وفود البلاد في اجتماعات عربية ودولية رفيعة، إلى جانب عضويته في لجان إصلاح سياسي واقتصادي وهيئات فكرية وأكاديمية. ويحمل درجات علمية في القانون والفلسفة السياسية، ويتقن العربية والإنجليزية. ويُنتظر أن توظَّف خبرته في تعزيز الشراكات الإقليمية، خاصة مع السعودية، وحشد الدعم الدولي، ودفع برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة البناء المؤسسي.
الدفاع والداخلية: توجه نحو الاحترافية المؤسسية
في وزارة الدفاع، تم تعيين اللواء الركن الدكتور طاهر علي عيضة العقيلي، وهو أكاديمي عسكري يمتلك مسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في القوات المسلحة، ويحمل دكتوراه في الدراسات الاستراتيجية وماجستير علوم عسكرية وزمالة الدفاع الوطني. شغل مواقع قيادية بارزة، بينها قيادة ألوية ميدانية وإدارة العمليات ورئاسة هيئة الأركان العامة، وأشرف على إدارة عمليات مشتركة وإعادة تنظيم القوات في عدة جبهات. ويُنظر إلى تعيينه باعتباره خطوة لتعزيز الاحترافية وتوحيد القرار العسكري وإعادة بناء المنظومة الدفاعية.
وفي وزارة الداخلية، تولى اللواء الركن إبراهيم علي أحمد حيدان الحقيبة، وهو ضابط بحري سابق وخريج الكلية البحرية، تلقى تدريبات تخصصية في القيادة والأركان داخل سلطنة عمان والولايات المتحدة. شارك في معارك تحرير عدن، وقاد جهود إعادة هيكلة وحدات الحماية الرئاسية، وشارك في تنفيذ الترتيبات الأمنية لاتفاق الرياض. ويركز برنامجه على بناء جهاز أمني مهني موحد وتعزيز سيادة القانون ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
الإعلام والشباب: خبرة سياسية وإدارة ميدانية
احتفظ معمر مطهر الإرياني بحقيبة الإعلام، وهو سياسي وإعلامي مخضرم برز في العمل التنظيمي وقيادة القطاعات الشبابية، وتولى سابقًا وزارات الشباب والرياضة والسياحة، إضافة إلى الإعلام والثقافة والسياحة في صيغة مدمجة. ويتمتع بخبرة في إدارة الاتصال الاستراتيجي وبناء الرسائل الوطنية، ويُعوَّل عليه في تطوير الإعلام الحكومي وتعزيز الحضور الدولي للقضية اليمنية.
كما تم تعيين نايف صالح عبدالقادر البكري وزيرًا للشباب والرياضة، وهو قيادي ميداني من مواليد لحج عام 1975، شغل مناصب إدارية محلية وقيادية في عدن، وقاد المحافظة في مرحلة حساسة بعد عام 2015، وأسهم في إعادة الخدمات والاستقرار. ويركز على تمكين الشباب وتطوير البنية التحتية الرياضية وتوسيع المشاركة المجتمعية.
الزراعة والموارد: خبرة محلية وتنموية
تولى المهندس سالم السقطري وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، وينحدر من أرخبيل سقطرى، ويمتلك خلفية عسكرية وأمنية وإدارية حتى رتبة لواء، قبل انتقاله للعمل المدني. شغل منصب محافظ سقطرى، وقاد ملفات التنمية المحلية وحماية البيئة والتنوع الحيوي، وأدار برامج لدعم الصيادين والمزارعين، والتعاون مع منظمات دولية في مشاريع الإنتاج الزراعي والسمكي والسدود وتغذية المياه الجوفية، ويُنتظر أن يركز على تعزيز الأمن الغذائي والتنمية الريفية.
تمثيل سيادي وإيرادي للمحافظات الجنوبية
وتبرز في التشكيل الجديد ملامح واضحة لإسناد وزارات سيادية وإيرادية لشخصيات تنتمي إلى المحافظات الجنوبية، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وإدارية، وتهدف إلى تعزيز المشاركة في إدارة مفاصل الدولة المالية والأمنية والخارجية، وبناء شراكة أوسع في صنع القرار، بما قد يسهم في دعم الاستقرار المؤسسي خلال المرحلة المقبلة.
ويُنتظر أن تواجه الحكومة الجديدة ملفات ثقيلة، تشمل الإصلاح الاقتصادي، وتحسين الخدمات، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، إلى جانب إدارة التوازنات الداخلية، مستندة إلى تركيبة تجمع بين الخبرة والتجديد، والحضور النسائي، والعناصر الشابة.

