أصدرت سلطات الطيران الكوبية إخطارًا للملاحة الجوية (NOTAM) حذّرت فيه من عدم توافر وقود الطائرات من نوع Jet A-1 في جميع المطارات الدولية التسعة في الجزيرة، وذلك اعتبارًا من 10 فبراير وحتى 11 مارس 2026 على الأقل، في أحدث مؤشر على التدهور السريع في الأوضاع وسط تحرك الولايات المتحدة لقطع إمدادات النفط عنها.
ويعود هذا التطور إلى تفاقم أزمة الطاقة، مدفوعةً أساسًا بتشديد العقوبات الأمريكية في عهد إدارة ترمب، التي قطعت خطوط الإمداد النفطية الرئيسية لكوبا من فنزويلا، وردعت موردين آخرين مثل المكسيك.
وأجبر هذا النقص شركات الطيران على تحميل كميات إضافية من الوقود، أو تنفيذ توقفات فنية في دول مجاورة، أو تعليق العمليات بالكامل، كما حدث مع قرار شركة إير كندا إيقاف الرحلات وتشغيل رحلات لإعادة الركاب العالقين إلى أوطانهم.
وفي حين يواجه الاقتصاد الكوبي—المثقل أصلًا بانقطاعات الكهرباء ونقص الغذاء وتراجع السياحة—انتكاسات فورية، فمن المرجّح أن تظل التداعيات العالمية محصورة في قطاعات الطيران والسياحة الإقليمية، مع تأثير محدود للغاية على أسواق الطاقة الأوسع.
أسباب الأزمة
يُعد نقص وقود الطائرات في كوبا عرضًا لأزمة طاقة أشمل تتراكم منذ أشهر، وتتجذّر في ضغوط جيوسياسية ونقاط ضعف داخلية، إذ كثّفت إدارة ترمب جهودها لعزل كوبا اقتصاديًا، بما في ذلك التهديد بفرض رسوم جمركية على أي دولة تزوّد الجزيرة بالنفط.
وجاء ذلك في أعقاب مصادرة الولايات المتحدة لأصول فنزويلية، وتنفيذ عملية عسكرية في يناير 2026 أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو، ما أدى فعليًا إلى وقف صادرات النفط الفنزويلية إلى كوبا.
وقد وفّرت فنزويلا تاريخيًا ما يصل إلى 80% من احتياجات كوبا النفطية، ومنها المنتجات المكرّرة مثل وقود الطائرات، ضمن اتفاقات مدعومة تعود إلى حقبة هوغو تشافيز.
ومع عدم وصول أي شحنات منذ منتصف ديسمبر 2025، تراجعت الاحتياطيات الكوبية بسرعة، كما أوقفت المكسيك، المورّد الثانوي لكوبا، إمداداتها في أواخر يناير 2026 تحت الضغط الأمريكي، ما فاقم حدة العجز.
تقييد الطاقة داخليًا وتحديات البنية التحتية
وقبل يومين، أعلنت كوبا عن إجراءات لترشيد استهلاك الوقود، مؤكدة في البداية أن السفر الجوي لن يتأثر، إلا أن إخطار الملاحة الجوية (NOTAM) الصادر بعد أيام قليلة ناقض هذا التأكيد.
وتعاني مصافي التكرير وشبكة الكهرباء المتقادمة في الجزيرة من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، حيث تعزو الحكومة هذه الأعطال إلى “الحصار الأمريكي”، بينما يشير منتقدون إلى سوء الإدارة ونقص الاستثمارات.
وكان قطاع السياحة، وهو مصدر حيوي للإيرادات، قد شهد تراجعًا بالفعل نتيجة القيود الأمريكية السابقة على السفر والتحويلات المالية، ما قلّص الموارد المتاحة لاستيراد الوقود من مصادر بديلة مثل روسيا أو الجزائر، وهي خيارات تواجه تحديات لوجستية وتكاليف أعلى.
التداعيات الجيوسياسية المتسلسلة
تتزامن الأزمة مع قيام دول حليفة، مثل نيكاراغوا، بتقييد سهولة دخول المهاجرين الكوبيين، بما يغلق “صمام هروب” كان متاحًا في ظل حملات الضغط الأمريكية الهادفة إلى تغيير النظام في هافانا، وتسعى هذه الاستراتيجية الأوسع إلى فرض مفاوضات، لكنها أسهمت بدلًا من ذلك في تعميق عزلة كوبا.
ورغم حدة نقص وقود الطائرات بالنسبة لكوبا، فإن انعكاساته المباشرة على الأسواق العالمية تظل محدودة نظرًا لصِغر حجم استهلاك الجزيرة من الطاقة (تستورد كوبا نحو 200 ألف برميل نفط يوميًا، أي أقل من 0.2% من الطلب العالمي)، ومع ذلك، فإن للأزمة تبعات اقتصادية وقطاعية محددة:
وتواجه شركات الطيران ارتفاعًا في تكاليف التشغيل نتيجة حمل وقود إضافي (ما يزيد الوزن ويقلّص الحمولة) أو الاضطرار إلى تغيير المسارات للتزوّد بالوقود في جمهورية الدومينيكان أو بنما أو جزر البهاما، أو حتى في أقاليم تابعة للولايات المتحدة.
وعلّقت شركة إير كندا، التي تخدم آلاف الركاب أسبوعيًا، رحلاتها، ما قد يترك ما بين 3,000 و4,700 سائح عالقين (من بينهم عدد كبير من الروس).
وقد تحذو شركات أخرى مثل ويست جيت، وإير فرانس، وشركات طيران أمريكية حذوها عبر الإلغاء أو تعديل الجداول، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار التذاكر وتراجع السعة على خطوط الكاريبي.
كما قد تشهد أسهم شركات الطيران المتأثرة تقلبات قصيرة الأجل؛ إذ تراجعت أسهم إير كندا بنسبة 2% في تداولات مبكرة اليوم 9 فبراير.
أسواق الطاقة والسلع
لا يُتوقع حدوث تأثير ملموس على أسعار النفط العالمية، نظرًا لضآلة الطلب المُحوّل على الوقود، غير أن الأزمة تسلط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد الخاضعة للعقوبات، ما قد يدفع مصدّري النفط إلى تنويع مساراتهم.
وتظل أسواق النفط الفنزويلية غير مستقرة في مرحلة ما بعد مادورو، لكن أزمة كوبا لا تُحدث تأثيرًا جوهريًا في ديناميكيات منظمة أوبك.
وقد يسرّع نقص الوقود من وتيرة الهجرة الكوبية، بما يزيد الضغط على الحدود الأمريكية ويؤثر في العلاقات الإقليمية.
كما يبرز فاعلية العقوبات الأمريكية في الضغط على الأنظمة السلطوية، وهو ما قد يؤثر في توجهات السياسة الأمريكية تجاه دول أخرى مثل إيران أو كوريا الشمالية.
ويتمثل الأثر قصير الأجل في تعليق عدد من الرحلات وارتفاع تكاليف التشغيل، مثل زيادة نفقات الوقود بنسبة تتراوح بين 5% و10% لكل رحلة، بينما تتمثل التداعيات طويلة الأجل في التحول إلى مسارات أكثر كفاءة، مع احتمال حدوث خفض دائم في مستوى الخدمات المقدمة إلى كوبا.
أما في قطاع السياحة، فيظهر التأثير الفوري في تراجع أعداد الوافدين بنسبة تتراوح بين 20% و30%، وما يترتب على ذلك من خسارة إيرادات تُقدَّر بين 200 و500 مليون دولار لكوبا، في حين قد تقود الآثار بعيدة المدى إلى تنويع الوجهات السياحية البديلة، وسعي كوبا إلى بناء تحالفات جديدة، مثل توسيع التعاون مع الصين.
وفي قطاع الطاقة، يظل الأثر قصير الأجل محدودًا للغاية على الأسعار العالمية، مع تقلبات طفيفة فقط، غير أن التداعيات طويلة الأجل تكمن في إبراز مخاطر الاعتماد على سلاسل الإمداد الخاضعة للعقوبات، ما يدفع كوبا إلى استكشاف بدائل مثل الطاقة المتجددة أو زيادة الاعتماد على الواردات الروسية.
يرى خبراء الطاقة والاقتصاد أن هذه الأزمة تمثل تصعيدًا متعمّدًا في التوتر بين الولايات المتحدة وكوبا، وتحمل في طياتها أبعادًا إنسانية واستراتيجية عميقة.
خبراء يحذرون من نقص الوقود
يشير بافيل فيدال، أستاذ الاقتصاد في جامعة خافيريانا في كولومبيا، في تصريح تلفزيوني، إلى أن نقص الوقود يُعد “نقطة التحول في تآكل استمر عقدًا كاملًا للاقتصاد الكوبي تحت وطأة العقوبات”، متوقعًا انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 2% و3% خلال عام 2026 إذا لم تُحل الأزمة.
ويؤكد أن السياسة الأمريكية، رغم سعيها المعلن لفرض إصلاحات، تلحق ضررًا غير متناسب بالمدنيين، وتفاقم أزمات الغذاء والكهرباء.
ويعزو خورخي بينيون، خبير الطاقة في جامعة تكساس، في تقرير لـ”رويترز”، الأزمة إلى الاعتماد المفرط لكوبا على فنزويلا، موضحًا أن “أمن الطاقة الكوبي يظل هشًا في غياب تنويع حقيقي للموردين”.
ويحذر من أن استمرار انقطاعات الكهرباء قد يقود إلى كارثة إنسانية، لكنه يضيف أن التأثير العالمي يظل محدودًا للغاية، إذ ستتكيف شركات الطيران سريعًا مع الوضع.
ويقدّر بينيون الكلفة الإجمالية لإعادة توجيه الرحلات الجوية بنحو 10 إلى 20 مليون دولار خلال شهر واحد.
أما ويليام ليوغراند، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية والسياسة الخارجية الأمريكية،
فينتقد في مقال رأي بصحيفة ميامي هيرالد النهج الأمريكي، معتبرًا أن “حصار ترامب يأتي بنتائج عكسية، إذ يعزز التيارات المتشددة في هافانا وينفّر الحلفاء”.
ويشير إلى أن هذا النهج يعمّق عزلة كوبا اقتصاديًا، في حين أن أثره على الأسواق العالمية يظل صفريًا، حيث تنتقل إيرادات السياحة الكوبية المفقودة إلى وجهات أخرى.

