في المدينة المنورة، مدينة الرسول الكريم وحاضنة المدارس الأولى لتدوين المصحف الشريف، اكتملت اليوم الحلقة الأخيرة في مشروع سعودي طموح يُعيد تعريف علاقة الإنسان بحروف لغته. فمع موافقة مجلس الوزراء اليوم الثلاثاء على الترتيبات التنظيمية لمركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي، تنتقل هذه المنارة الثقافية من مرحلة التأسيس الفني إلى مرحلة المأسسة القانونية الكاملة، لتصبح كيانًا عالميًا يملك الأدوات والصلاحيات لتحويل “فنون القصبة والمحبرة” إلى قوة ناعمة وصناعة إبداعية مستدامة.
من “دار القلم” إلى العالمية
لا تبدأ القصة اليوم، لأن جذورها تمتد إلى أكثر من عقد، حين كان المكان مجرد “دار للقلم” تسعى لحفظ الإرث وتعمل كمدرسة تعليمية تقليدية منذ عام 2013. غير أن الرؤية السعودية الجديدة، التي ترى في الثقافة رافدًا اقتصاديًا وحضاريًا، دفعت باتجاه تحول جذري في أبريل من العام 2020، حين صدر التوجيه بتغيير الاسم ورفع مستوى الطموح ليحمل اسم ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.
وكان تغيير اللافتة هذا إعلانًا صريحًا عن استراتيجية جديدة تنظر للخط العربي لا باعتباره مجرد زينة للمساجد والمخطوطات، وإنما كجسر دبلوماسي ورمز للهوية البصرية السعودية والعربية في المحافل الدولية.
خماسية الاستراتيجية.. التعليم والبحث
المركز الجديد لا يعمل في عزلة عن محيطه، إذ يتبنى فلسفة تُدرك أن الحفاظ على الفن يتطلب أكثر من مجرد متحف للعرض؛ لذا صاغت وزارة الثقافة استراتيجية شاملة تدمج خمسة مسارات متوازية في نسيج واحد.
وفي قلب هذه الاستراتيجية يقع مسار “المعرفة والتطوير”، الذي تتولى فيه وحدات الأرشفة والبحث مهمة حماية التراث وتوثيقه علميًا، ليكون مرجعًا للباحثين ومادة خامًا للدراسات الأكاديمية.

وبالتوازي، تعمل البرامج التعليمية والمناهج الأكاديمية ضمن مسار “تنمية المهارات” على نقل أسرار الحرفة من صدور الأساتذة الكبار إلى أنامل الجيل الجديد، لضمان استمرارية المدرسة العربية في الخط وعدم انقطاع سندها الفني، عبر تقديم دورات متخصصة ومنح دراسية بحثية.
الحرف في الحياة والاقتصاد
ويمتد دور المركز ليتجاوز أسوار الأكاديمية التقليدية، إذ يسعى لدمج جماليات الخط في الفضاء العام وتفاصيل الحياة اليومية للناس، عبر مبادرات “المشاركة المجتمعية” التي تخرج بالحرف من اللوحات المعلقة إلى واجهات المباني وتصاميم المنتجات، محولًا إياه إلى عنصر بصري مألوف ومعاش.
وقد تجلى هذا التوجه في مبادرات مبتكرة سابقة مثل “ختم عام الخط العربي” على جوازات السفر، التي حولت وثيقة السفر الرسمية إلى رسالة ثقافية ترحب بضيوف المملكة بلمسة فنية.
الاستثمار في جماليات الحرف
مع هذا الحضور الاجتماعي، يفتح المركز نوافذ جديدة لرواد الأعمال والمبتكرين ضمن مساري “الأعمال والفرص” و”الابتكار”. وهنا، تبرز “حاضنة الخط العربي” التي أُطلقت مؤخرًا لتقدم دعمًا ماليًا يصل إلى 120 ألف ريال للمشاريع الواعدة، موفرةً بيئة متكاملة تجمع بين التدريب العملي والتوجيه المهني.
هذه الحاضنة لا تهدف فقط لتخريج خطاطين، بل تسعى لخلق جيل من رواد الأعمال الذين يوظفون التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لخدمة الحرف العربي، مما يخلق سوقًا واعدة تحول الخطاط من فنان منعزل إلى صانع محتوى وشريك فاعل في الاقتصاد الإبداعي.
دبلوماسية “اليونسكو” الناعمة
وقد أثمرت هذه الجهود الدبلوماسية والثقافية إنجازًا عالميًا بارزًا، حين قادت المملكة ملف تسجيل “الخط العربي” في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو عام 2021، بعد عمل دؤوب وتنسيق مع 15 دولة عربية.
وكانت تلك اللحظة بمثابة اعتراف دولي بأن ما تحتضنه المملكة ليس مجرد فن محلي، بل تراث إنساني حي، وهو ما عزز من مكانة المركز كظهير مؤسسي لهذا الملف ومرجعية عالمية لحمايته وتطويره.
اكتمال البناء المؤسسي
واليوم، يترجم المركز هذه المكانة واقعًا ملموسًا عبر مقره الجديد في المدينة المنورة، الذي صُمم ليكون بيئة متكاملة تتفاعل مع الحواس.
يضم المقر متحفًا دائمًا يسرد رحلة الحرف، ومعهدًا تعليميًا يضخ دماء جديدة في عروق هذا الفن، ومساحات مجتمعية كالمقهى الحديث وأماكن الجلوس التي تجعل من زيارة المركز تجربة ثقافية واجتماعية في آن واحد.
ومع صدور الموافقة على الترتيبات التنظيمية، يكتمل البناء المؤسسي لهذا الصرح، ليكون جاهزًا لقيادة المرحلة المقبلة التي تتطلب مرونة إدارية وقدرة على بناء الشراكات العالمية، ترسيخًا لمكانة المملكة كعاصمة للخط العربي وحاضنة لإبداعه المتجدد.

