عاد ملف “تنظيم الموارد البشرية” ليتصدر المشهد الوظيفي في المملكة هذه الفترة، مع تكشف تفاصيل جديدة حول الآليات التنفيذية لبرنامج “المصافحة الذهبية” لعام 2026.
البرنامج، الذي أقرّه مجلس الوزراء بالقرار رقم (455) في يناير من العام الماضي، ورصد له ميزانية قدرت بنحو 12.7 مليار ريال، دخل مرحلة التنفيذ الفعلي وفق معايير محددة تستهدف فئة معينة من موظفي الدولة، مانحًا إياهم “فرصة تقاعد” استثنائية مقابل مكافأة مجزية، بينما وضع في الوقت ذاته “حوكمة” دقيقة تضمن التوازن في الكفاءات.
الفئات المستهدفة.. معادلة (20-25)
التطور الأبرز في التعليمات المتداولة على نطاق واسع هو توضيح “النطاق الزمني” لسنوات الخدمة. إذ نصت التوجيهات العليا بوضوح على أن الباب مفتوح الآن للنظر في طلبات التقاعد المبكر للموظفين الذين تتراوح مدد خدمتهم المحسوبة في أنظمة التقاعد ما بين 20 سنة وأقل من 25 سنة.
لكن هذا الخيار ليس “متاحًا تلقائيًا” للجميع؛ فالشرط الجوهري هو أن يكون الموظف مصنفًا ضمن قوائم “الوفر في القوى العاملة” لدى جهته، بناءً على دراسات تخطيط الموارد البشرية، وليس مجرد رغبة شخصية في التقاعد.
“اللجنة المختصة”.. ضمان العدالة
ولضمان سلامة الإجراءات وعدم الاعتماد على التقديرات الفردية، وضعت التوجيهات الجديدة “آلية تنظيمية” تتمثل في لجنة رباعية مشتركة. إذ لن يمر أي ملف لتقاعد موظف (خدمته أقل من 25 سنة) إلا عبر دراسة هذه اللجنة التي تضم ممثلين من وزارات: الموارد البشرية، والمالية، والاقتصاد والتخطيط، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
مهمة هذه اللجنة هي الفحص الدقيق للتأكد من أن تقاعد الموظف يحقق “المستهدفات التنظيمية” ويعالج الوفر الوظيفي فعليًا، دون أن يؤثر سلبًا على سير العمل أو يفقد الجهة خبرات جوهرية.
“الحافز المالي”.. آلية المكافأة
الجاذب الأكبر في هذا البرنامج هو المقابل المالي، الذي يأتي كحافز تشجيعي. فوفقًا للقرار الرسمي، خُصص سقف مالي قدره 12.7 مليار ريال لتغطية تكاليف البرنامج لثلاث سنوات (2025-2027).
ويحصل الموظف المستفيد على “مكافأة مالية مقطوعة” عند الموافقة على طلبه، تشير التقديرات والتحليلات النظامية إلى أنها قد تعادل مجموع رواتب 5 سنوات أو مبلغًا مقطوعًا بحد أقصى مليون ريال (أيهما أقل)، مما يمنح الموظف تمكينًا ماليًا يساعده على الانتقال لمرحلة جديدة، وهو ما يعكس مسمى البرنامج بـ “المصافحة الذهبية”.
“الصلاحيات المنظمة” للاستثناء
ورغم وضوح الشروط، وضعت التوجيهات “مسارًا خاصًا” للحالات الاستثنائية. فإذا رأى الوزير المختص أو رئيس الجهة المستقلة ضرورة قصوى للموافقة على تقاعد موظف (خدمته أقل من 25 سنة) لأسباب وجيهة غير “الوفر”، فلا يملك صاحب الصلاحية الموافقة منفردًا، بل يلزمه الرفع للمقام السامي للبت في الطلب.
هذا التنظيم يعكس حرص الدولة على عدم تحويل البرنامج إلى سبب لفقدان الكفاءات الوطنية المتميزة.
اشتراط “عدم التعاقد”
وفي خطوة تضمن تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في “رفع كفاءة الإنفاق”، تضمنت الضوابط شرطًا جوهريًا: “حظر إعادة التعاقد”. فالموظف الذي يستفيد من “المصافحة الذهبية” ويحصل على الحافز المالي، لا يحق له العودة للعمل في أي جهة حكومية أخرى مستقبلًا. التنظيم هنا يوضح أن البرنامج مخصص لمعالجة التحديات الوظيفية، ولا يتيح تدوير الموظف بين الجهات الحكومية بعد الاستفادة منه.
الهدف الأبعد.. كفاءة وتنمية
القراءة المتأنية لهذه التحركات توضح أنها ليست إجراءات لخفض التكاليف فحسب، بل جزء من تطوير شامل للقطاع العام. فالبرنامج يسعى لتحقيق هدفين متوازيين: الأول، معالجة التضخم الوظيفي في الوظائف المساندة، والثاني، تمكين القطاع الخاص من الاستفادة من هذه الخبرات الوطنية (التي تملك خبرة 20 سنة)، مما يعزز دورهم في التنمية الاقتصادية مستفيدين من الملاءة المالية التي وفرها لهم البرنامج.

